TAFATEFO

وقد اعترف أمامنا أنه "صاحب مبدأ"
TAFATEFO

ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون
TAFATEFO

ثمانية آلاف من جنود الأمن المركزي بالقاهرة يتمردون ويغادرون معسكراتهم صائحين:
الرحمة .. الرحمة
الجنود المتمردون يحطمون الواجهات الزجاجية لفندق (جولي فيل) أي القرية الجميلة المواجه لمعسكرهم في الهرم، وهو أحدث وأفخم فنادق القاهرة، ثم يقتحمونه ويشعلون فيه النيران.

جماعات مجنونة من جنود الأمن المركزي تنتشر في شوارع الهرم وتعتدي على السيارات الخاصة والأوتوبيسات السياحية وواجهات البازارات والبوتيكات ثم الملاهي والكباريهات.

الصحف الحكومية : "شائعات مغرضة عن مد فترة تجنيد قوات الشرطة عاماً آخر هي التي فجرت موجة العنف والتدمير".

الشغب يمتد إلى ضواحي المعادي ومدينة نصر وإلى ست محافظات أخرى في الوجهين البحري والقبلي.

المتمردون يقتحمون سجن طرة ويطلقون سراح المسجونين.


أحزاب المعارضة : "إذا كان لقوات الأمن المركزي أية مطالب كان يجب التعبير عنها بالطرق المشروعة".

المسئولون : هناك ملامح مؤامرة منظمة.

جريدة الأخبار الحكومية : "ليس في مصر كلها رأي مكبوت وليس هناك قيد على أحد حتى ينفجر في وجه السلطة على هذا النحو".

إبراهيم نافع رئيس جريدة الأهرام : "إنهم يحاولون قتل الغد".

د. أحمد عبدالغفار، رئيس هيئة المطاحن والصوامع : "الإنسان يحار حقاً أمام تصرفات هذه الفئة .. لقد تسببوا في تعطيل طاقات الإنتاج في الوقت الذي تحتاج فيه مصر لساعات عمل لنواجه النقص في الموارد".

صحيفة الأهالي اليسارية : "صحف الحكومة تتهم المعارضة بالمسئولية بسبب ما تتبعه صحفها من إثارة. والمعروف أن جنود الأمن المركزي لا يقرأون صحف المعارضة ولا صحف الحكومة".


صحيفة أمريكية : "الأمن المركزي في مصر جيش مواز يتألف من ربع مليون فرد تم انتقاؤهم بعناية من بين الأميين ومن القرى النائية والمتخلفة وعهد إليهم بحراسة البنوك والسفارات والفنادق الكبرى فضلاً عن فض المظاهرات، وتم تدريبهم بطريقة تجمع بين غسيل المخ والإذلال لتحويلهم إلى أدوات طيعة في أيدي رؤسائهم".

ضابط بالأمن المركزي : "منذ اليوم الأول لوصول المجند إلى معسكرات التدريب يتعرض للضرب دون سبب من ضباط الصف المسلحين بالأحزمة والهراوات، ثم يبدأ ترويضه لمدة خمسة شهور أو سبعة ويتضمن التدريب العسكري توجيه السباب إلى قطعة حجر على أنها أقرب الناس إليه وذلك للقضاء على أي شعور إنساني إزاء من سيواجههم فيما بعد".

صحيفة الأحرار اليمينية : "ضباط الأمن المركزي تفننوا في تعذيب جنودهم فلم يكتفوا بعقابهم لأتفه سبب بالضرب والبصق وسب آبائهم وأمهاتهم وإطفاء السجائر في أجسامهم وإنما اخترعوا لهم وسائل عقاب ذات مسميات عجيبة فيأمرونهم بامتطاء ظهور بعضهم والجري مسافات طويلة أو يهتفون بالواحد منهم : إشرب ويسكي، ومعناها أن يضع يده على أذنه واليد الأخرى على الأرض وبطرف إصبعه السبابة يدور ويلف مثل الساقية حتى يحفر حفرة ويشعر بالدوار والإرهاق فيسقط من الإعياء كالسكير".


جندي أمن مركزي : "نعيش كل عشرين في خيمة لا تتسع لأكثر من ستة أفراد وننام ورأس كل منا إلى جوار قدم زميله".

الصحف الحكومية تعترف : "تم إبلاغ الجنود مساء 25 فبراير بأن مدتهم التي تنتهي بعد شهر ستمتد سنة".

جندي أمن مركزي : "غذاؤنا أرز بالزلط الحصى والخضروات القذرة أما اللحوم فلا نراها إلا في الأعياد والمناسبات، ونستحم بالماء البارد دون منظفات، ونقضي حاجتنا في العراء".

ضحايا الأحداث 150 قتيلاً و 500 جريحاً أغلبهم من الجنود

جندي أمن مركزي : "نتقاضى ستة جنيهات في الشهر هي ثمن رغيف خبز مستورد في فندق جولي فيل".

150 مليون دولار خسائر الفنادق وحدها

جندي أمن مركزي : "أغلبنا من العائلين لأسر تعتمد على دخلنا وبالتالي فإن تجنيدنا يحرم الأسرة من مكسبنا. أما نحن فننزل من عشرة جنيهات في اليوم إلى عشرين قرشاً".

جندي أمن مركزي : "ألزمونا بالمشاركة في سداد ديون مصر وخصموا من مرتباتنا سبعين قرشاً".

جندي أمن مركزي : "المحظوظ منا هو الذي يلتحق بالخدمة لدى أحد الضباط فيقود له سيارته أو يرافق أولاده إلى المدارس أو زوجته إلى السوق أو يقوم بتنظيف المنزل وإعداد الطعام أو دهان الجدران أو العمل في مزرعة الضابط أو دكانه".


إجراءات سريعة تتخذها الحكومة لمواجهة الموقف
للجندي ستة أرغفة خبز بدلا من ثلاثة في اليوم وأربعة بطاطين بدلا من اثنتين وأجازة كل شهر بدلا من كل شهرين.

إضافة اللحم إلى وجبات جنود الأمن المركزي

3 آلاف مواطن من الأقاليم يتجمعون أمام مراكز تدريب الأمن المركزي بالدراسة وشبرا والمعادي وطريق الفيوم بحثاً عن مصائر أبنائهم.


قوات الأمن المركزي تحاصر قرية غازي مصلح بدكرنس دقهلية وتعتقل خمسين شخصاً منهم عمدة القرية وتقطع عنها المواصلات والكهرباء وتقوم باستعراض للقوة في شوارع القرية أسفر عن مقتل المواطن عبدالحميد جعفر.

نيابة مصر الجديدة تحقق مع ملازم أول شرطة من قوات الأمن المركزي بتهمة الاعتداء على جاره بـالكرباج.
صنع الله إبراهيم
عن "ذات"
صحف ذلك الوقت
أحداث فبراير 1986
إقرأ أيضاً : خطاب بسلامته في الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب والشوري بخصوص أحداث فبراير 1986
TAFATEFO


يا طير يا عالي في السما .. طظ فيك
متفتكرش ربنا .. مصطفيك
برضك بتاكل دود .. وللطين تعود
تمص فيه يا حلو .. ويمص فيك
عجبي
صلاح جاهين
TAFATEFO

هل حدث أن تحرك موظف أو موظفة وتقدم واضعاً بيع ذمته كهدف؟ على الإطلاق لم يحدث شيء من هذا. إنه دائماً يتحرك موهماً نفسه مؤكداً ومقسماً ومؤمناً إيماناً لا يتزعزع أنه إذ يتحرك فإنما ليؤدي واجبه فقط .. لينجز عمله.

عسكري المرور الذي يقبل القروش العشرة حتى لا يحرر لك محضراً يوهم نفسه، بأدلة يصنعها أو يصطنعها، أنك فعلاً لا تستحق المحضر، وأنّه بإلغائه إنما يؤدي واجبه الذي يمليه عليه ضميره. وما العشرة قروش سوى مبلغ تطوعت أنت بدفعه سذاجة وعبطاً، إذ كان هو على أي الحالات لم يكن ينوي تحرير محضر.

كذلك الوزير الذي يقبل دعوتك وهو عالم أنك في حاجة غداً لتوقيعه، يقبلها وهو قد انتوى نية خالصة مخلصة أنه وإن كان قد قبل، إلا أنه لن يوافق غداً ويوقع إلا إذا كنت فعلاً قد استوفيت شروط الموافقة. وحين يأتي الغد وتعرض أوراقك مع أوراق الآخرين ويجد أنك مثلهم مستوفياً للشروط أو معظمها، يؤكد لنفسه أن اختياره لك دوناً عن الباقين لن يخلو من حكمة، إذ هو يعرفك حق المعرفة ويعرف أنك لن تخدع الحكومة ولن تسف أموالها، بينما هو لا يعرف الآخرين ولا يضمنهم. حينئذ ولأجل المصلحة العليا وحدها يؤشر على ورقك بالموافقة وعلى الآخرين بالحفظ، مؤمناً أشد الإيمان أنه بها العمل قد أدى أكبر الخدمات وأجلها للبلاد وللوطن.


يوسف إدريس
"العيب"
TAFATEFO

كيف تستطيع المشاعر الصادقة أن تعبر حاجز اللغة؟
TAFATEFO

TAFATEFO

يعيش أهل بلدي
و بينهم مافيش
تعارف يخلي التحالف يعيــش
تعيش كل طايفة
من الثانية خايفة
و تنزل ستاير بداير و شيــــش
لكن ف الموالد
ياشعبي يا خالد
بنتلم صحبة
و نهتف يعيش
يعيش أهل بلدي

يعيش المثقف على مقهى ريش
يعيش يعيش يعيش
محفلط مزفلط
كثير الكلام
عديم الممارسة
عدو الزحام
بكام كلمة فاضية
و كام اصطلاح
يفبرك حلول المشاكل قـــوام
يعيش المثقف
يعيش يعيش يعيش
يعيش أهل بلدي

يعيش التنابلة ف حي الزمالك
و حي الزمالك
مسالك مسالك
تحاول تفكر
تهوب هنالك
تودر حياتك
بلاش المهالك

لذلك
إذا عزت توصف حياتهم
تقول الحياة عندنا مش كذلك
وممكن تشوفهم
فـ وسط المدينة
اذا مر جنبك اوتومبيل سفينــة
قفاهم عجينة
كروشهم سمينة
جلودهم بتضوي
دماغهم تخينة
سنانهم مبارد
تفوت فـ الجليد
مفيش سخن بارد
بياكلوا الحديد
مدام نهر وارد
و جي م الصعيد
تزيد الموارد
كروشهم تزيد

و تسمع و تسلم
بأن التنابلة أو الأكالين
حيسمح كبيرهم
و يعمل مقابلة مع الفلاحين
و يحصل تحالف ما بين الجميع
و نملا المصارف بدم القطيع
أطيع الخليفة
أطيع والديك
أطيع التنابلة
دا مفروض عليك
و تزرع و تبعت لحي الزمالك
و حي الزمالك
مسالك مسالك
تحاول تفكر تهوب هنالك
تودر حياتك
بلاش المهالك
لذلك
إذا حد جاب لك سيرتهم
تبسمل تكبر
و تهتف كذلك
يعيش التنابلة
يعش يعيش يعش
يعيش أهل بلدي

يعيش الغلابة في طي النجوع
نهارهم سحابة
و ليلهم دموع
سواعد هزيلة
لكن فيها حيلة
تبدر تخدر جفاف الربوع
مكن شغل كايرو
ما يتبعش دايروه
لا ياكل و لا حتى يقدر يجوع

يا غلبان بلدنا
يا فلاح يا صاتع
يا شحم السواقي
يا فحم المصانع
يا منتج يامبهج
يا آخر حلاوة
يا هادي .. يا راضي
ياعاقل .. يا قانع
ما تتعبش نفسك
ف شغل السياسة
و شوف انت شغلك
بهمة و حماسة
و عود عيالك فضيلة الرضا
لأن احنا طبعا عبيد القضا
و رزقك ورزقي و رزق الكلاب
دا موضوع مؤجل ليوم الحساب
كمان الصحافة حتكتب ف حالتك
و تنشر مناظر لخالك و خالتك
و تطلع يا مسعد عليك الغناوي
و تسمع باسمك ف قلب الرداوي
تحبك مشيرة و بنات الجزيرة
و قصة غرامك تشيع ف الرداوي
يعيش عم مسعد
يعيش يعيش يعيش
يعيش أهل بلدي
أحمد فؤاد نجم
TAFATEFO
ها هم الناس قد عادوا إلى ما كانوا عليه، وها هي الأرض قد ملئت شروراً وفساداً، حتى لم يبق فيها بقعة طاهرة، يستطيع أن يأوي إليها ملك من أملاك السماء.

ها هم الأقوياء قد ازدادوا قوة، والضعفاء قد ازدادوا ضعفاً، وها هي لحوم الفقراء تنحدر في بطون الأغنياء انحداراً، فلا الأولون بمستمسكين، ولا الآخرون بقانعين.

ها هم الفقراء يموتون جوعاً، فلا يجدون من يحسن إليهم. والمنكوبون يموتون كمداً؛ فلا يجدون من يعينهم على همومهم وأحزانهم.

ها هم الأمراء قد خانوا عهد الله وخفروا ذمامه؛ فأغمدوا السيوف التي وضعها الله في أيديهم لإقامة العدل والحق، وتقلدوا سيوفاً غيرها، لا هي إلى الشريعة، ولا إلى الطبيعة، ومشوا بها يفتتحون لأنفسهم طريق شهواتهم ولذائذهم حتى ينالوا منها ما يريدون.

ها هم القضاة قد طمعوا وظلموا، ووضعوا القانون ترساً أمام أعينهم يصيبون من ورائه، ولا يصابون، وينالون من يشاؤون تحت حمايته، ولا يُنالون.

ها هم زعماء الدين قد أصبحوا زعماء الدنيا، فحوّلوا معابدهم إلى مغاور لصوص يجمعون فيها ما يسرقون من أموال العباد، ثم يضنّون بالقليل منه على الفقراء والمساكين.

ها هم الناس جميعاً قد أصبحوا أعواناً للأمراء على شهواتهم، والقضاة على ظلمهم، وزعماء الأديان على لصوصيتهم، فلتسقط عليهم جميعاً نقمة الله ملوكاً ومملوكين ورؤساء ومرؤوسين.

لتسقط العروش، ولتهدم المعابد، ولتتقوض المحاكم، وليعم الخراب المدن والأمصار، والسهول والأوعار، والنجاد والأغوار، ولتغرق الأرض في بحر من الدماء يهلك فيه الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، والأخيار والأشرار، والمجرمون والأبرياء، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
المنفلوطي
"العقاب"
TAFATEFO

عباد الله، من يدلني على ولدي، أو ينشده لي في معالم الأرض ومجاهلها؛ فقد أضللته منذ عهد بعيد، فحار بي الدهر من بعده، فلا أنا سالية عنه ولا واجدة إليه سبيلاً، فاحتسبوها يدًا عند الله وحدثوني عنه هل عاد معكم، أو تخلف عنكم ليأتي على إثركم، أو انقطع الدهر به فلا أمل فيه بعد اليوم؟

في أي بطن من بطون الأرض مضجعك يا بنيّ، وتحت أي نجم من نجوم السماء مصرعك، وفي أي قاع من قيعان البحر مثواك، وفي أي جوف من أجواف الوحوش الضارية مأواك؟

لو يعلم الطير الذي مزق جثتك، أو الوحش الذي ولغ دمك، أو القبر الذي ضمك إلى أحشائه، أو البحر الذي طواك في جوفه، أنّ وراءك أمّاً مسكينة تبكي عليك من بعدك لرحموك من أجلي.

عد إليّ يا بني فقيراً أو مقعداً أو كفيفاً؛ فحسبي منك أن أراك بجانبي في الساعة التي أفارق فيها هذه الحياة؛ لأقبلك قبلة الوداع وأعهد إليك بزيارة مضجعي مطلع كل شمس ومغربها لتخف بزورتك عني ضمة القبر، وتستنير بوجهك الوضاء ظلماته الحالكة!

ما أسعد الأمهات اللواتي يسبقن أولادهن إلى القبور، وما أشقى الأمهات اللواتي يسبقهن أولادهن إليها، وأشقى منهن تلك الأم المسكينة التي تدب إلى الموت دبيباً وهي لا تعلم: هل تركت ولدها وراءها، أو أنها ستجده أمامها؟
المنفلوطي
" الشهداء "
TAFATEFO
اللهم إنك تعلم أني غريب في هذه الدنيا لا سند لي فيها ولا عضد، وأني فقير لا أملك من متاع الحياة ما أعود به على نفسي، وأني عاجز مستضعف لا أعرف السبيل إلى باب من أبواب الرزق بوجه ولا حيلة، وأن الضربة التي أصابت قلبي قد سحقته سحقاً فلم يبق فيه حتى الذّماء. وإني أستحييك أن أمد يدي إلى هذه النفس التي أودعتها بيدك بين جنبي فأنتزعها من مكانها وألقي بها في وجهك ساخطاً ناقماً، فتول أنت أمرها بيدك، واسترد وديعتك إليك، وانقلها إلى دار كرامتك، فنعم الدار دارك، ونعم الجوار جوارك.
المنفلوطي
"اليتيم"
TAFATEFO

(شركة التعهدات والتوريدات المتحدة. قاعة لها عدة أبواب، وبها عدة
مكاتب يجلس إلى أحدها الكاتب "عبدالموجود أفندي" .. وإلى مكتب
آخر يجلس "عبدالتواب أفندي" .. وهناك مكتب ثالث موضوع فوق
ملفاته طربوش صاحبه الغائب ...)
عبدالموجود : (يملي من سجل) قيد عنك يا سيدي الوزن ألف طن ...

عبدالتــواب : (يكتب) الوزن ... ألف ... طن ...
(يلتفت إلى زميله) قل لي يا "عبدالموجود أفندي"!! ...

عبدالموجود : (يرفع عينيه عن السجل) نعم؟ ...

عبدالتــواب : البضاعة!! ..

عبدالموجود : مالها البضاعة؟ ..

عبدالتــواب : عاينتها؟ ..

عبدالموجود : (يشير إلى المكتب الذي فوقه الطربوش) "عاشور أفندي" قال إنه عاينها ..

عبدالتــواب : وقال إنها كلها "صاغ" سليمة؟! ...

عبدالموجود : سبحان الله في طبعك يا سي عبدالتواب! ...

عبدالتــواب : أنا ... كل غرضي ان المسألة تبقى مستورة ...

عبدالموجود : مستورة بإذن الله ... "جمد قلبك" ...

عبدالتــواب : كلامي له أصل ... وأنت فاهم ...

عبدالموجود : فاهم .. فاهم .. اكتب يا اخي .. دعنا ننتهي الليلة من تحرير هذا "الكشف" (ينظر في ساعته) الساعة الآن التاسعة .. وأنت عارف أنه ينتظرني بعد قليل موعد طرب في "الصالة" إياها ...

عبدالتــواب : لو كانت الشركة تلطف قليلاً من نسبة الفاسد في بضاعتها؟! ...

عبدالموجود : أتشفق على الحكومة؟! ...

عبدالتــواب : بل أشفق على نفسي ... وعليك .. علينا نحن كلنا الذين نستلم البضاعة باسم الحكومة، ونقر بأنها في حالة جيدة، ونوقع على ذلك بإمضاءاتنا ...

عبدالموجود : إمضاءاتنا ليست وحدها .. يا سيدي الفاضل ... أنسيت أنها متوجة بإمضاءات الوكيل والمدير والمراقب والسكرتير العام؟ ... و ... و ... إلى آخره .. إلى آخره ..

عبدالتــواب : ولو فرضنا أن مدير الإدارة العام خطر له ذات يوم أن يحضر بنفسه عملية الاستلام؟ ...

عبدالموجود : هذه العملية الطويلة العريضة! ... أهذا معقول؟ ... المدير دائماً عنده صداع ... ودائماً عنده لجنة ... وهو دائماً يكتفي بالنظر إلى إمضاء الوكيل .. فإذا رآها موجودة أمضى بجوارها بكل اطمئنان ...

عبدالتــواب : والوكيل؟ ... افرض أنه حضر يستلم؟ ...

عبدالموجود : أهذا معقول؟ ... هذا الوكيل "القرفان" دائماً ... المشغول بأخبار الترقيات، الساخط دائماً على المحسوبيات، التي جعلت كل من هب ودب يتخطاه ... أيمكن أن يستلم إذا كان مزاجه رائقاً، بغير الطريقة المعروفة؟ يطلب "ششني" فنسرع نحن ونقدم إليه "العينة" التي أعدتها الشركة لنا من أجود نوع .. فيلقي عليها نظرة عابرة. وينكب على الأوراق يوقع بالاستلام وهو ينفخ دخان سيجارته بضيق وملل، ويلقي في وجوهنا بالورق الممضي، وكأنه يقول: داهية لا ترجعكم أنتم والإدارة والبضاعة! ...

عبدالتــواب : واللجنة الأخيرة؟ ...

عبدالموجود : تقصد اللجنة التي شكلت للاستلام في الشهر الماضي؟ .. وشربوا القهوة، ودخنوا السجاير، وتحدثوا في آخر أخبار الصحف ... وجاء لهم "عاشور أفندي" بـ "العينة" إياها ... وقال لهم: "المخازن كلها تراب يخشى منه على الثياب" فقال بعض الأعضاء: "كل شئ إلا الثياب غالية في هذه الأيام" ... ونظر البعض الآخر في ساعاتهم ... ثم أقبلوا على "العينة" ففحصوها بسرعة وانتهوا جميعاً إلى أن البضاعة جيدة، وحرروا المحضر بذلك وأمضوه وانفضت اللجنة قبل انصراف الدواوين ...

عبدالتــواب : كلامك مطمئن يا "عبدالموجود أفندي"! ...

عبدالموجود : اكتب ... اكتب ... خلصنا من هذا الكشف .. لنصدره من هنا الليلة، ونستلمه غداً في الديوان ...

عبدالتــواب : ولماذا هذه السرعة؟! ... ضروري من تصديره الليلة؟ ..

عبدالموجود : ضروري ... اكتب ... الوزن ألف! ...

عبدالتــواب : بمناسبة الوزن ... هات سيجارة لوزن دماغي أولاً ...

عبدالموجود : لا يا سيدي ... لا يا حبيبي ... ليس عندنا وقت للكيف والمزاج واللعب والكسل ... نحن لسنا في مكاتبنا الحكومية ... نحن هنا في مكاتب الشركة! ...

عبدالتــواب : (يذعن وينحني على الورق) أمرك ... الوزن ألف طن!! ...
توفيق الحكيم
من "أعمال حرة"
TAFATEFO

إذا دخل الاستبداد من الباب، هربت الحرية والكرامة وحقوق الإنسان من النافذة، لأن الاستبداد لا يدخل وحده، وإنما يصحبه الإرهاب والبطش والترويع، عندئذٍ يتحول الناس إلى كائنات هلامية، حسبهم من الحياة أن يعيشوها في سكون، وأن ينتهي بقاؤهم فيها دون أن يمسهم طائف من العذاب.

إنها حياة أشبه بحياة القطيع .. ليس فيها من النشاط الإنساني سوى إشباع الغرائز .. أما إشباع العقل وغذاء الروح والارتقاء بالتفكير، فكلها أنشطة تخضع لسيطرة المستبد الذي يسعده أن تتحول الرعية إلى إمعات معدومة الشخصية .. تميل حيث تميل الريح .. ولا تسبح أبداً ضد التيار.

جمال بدوي
الطغاه والبغاه
TAFATEFO

نتفاءل أو لا نتفاءل .. نتشاءم أو لا نتشاءم .. ليست هذه هي المسألة، وإنما المسألة هي أن طريق التفاؤل معروف وطريق التشاؤم معروف، فلا تتحقق مصلحة الإنسانية إلا إذا عمل لها كل فرد من أفرادها، وهانت الشهادة من أجلها على خدامها، وتقدم الصفوف من يقدم على الاستشهاد ومن ورائه من يؤمن بالشهادة والشهداء.

عباس محمود العقاد
الحسين أبو الشهداء
TAFATEFO

زعموا أنه كانت توجد بقعة نائية خالية، لا يكاد يبدو فيها أثر للحياة، ولا يكاد يسمع فيها سوى شدو بلبل أو تغريد عصفور.

هبت على تلك البقعة ريح خفيفة أخذت تعبث بأوراق الشجر، ثم اشتدت الريح رويداً وحملت في طياتها همساً ما زال يشتد حتى أضحى جدلاً صاخباً، وحواراً عنيفاً بين ثلاث قوى تتنازع الحكم وتزعم لنفسها السلطان.

هتفت إحداها بصوت حلو رنان:
- أي سلطان في هذه الحياة لغيري، من الذي أذل الأعناق واسترق النفوس سوى سلطان المال، من الذي ملك على اإنسان عقله وسلبه رشده، من الذي تحكم فيه فحركه كما يشاء، من الذي عبده الإنسان من دون الله؟

وأجاب صوت ساحر نفّاذ يصل إلى أعماق النفوس:
- أنا الذي ملكت على الإنسان نفسه، أنا الذي أضاع الإنسان عمره في البحث عنه، سل أي امرئ عن الشهرة، يجبك أنها أمتع شئ في هذه الحياة، سل أي امرئ عن اللذة التي يشعر بها عندما يشير إليه الناس ويهمسون: "هذا هو الرجل العظيم"، وخيره بين شهرته وبين أن تهبه مال قارون، تجده يضرب بسلطان المال عرض الحائط، ويقبض على الشهرة بالنواجذ.

- يا للغباء ! إن صاحب المال لا يعجز عن ابتياع الشهرة.

- قد يستطيع ابتياع الشهرة الكاذبة الزائفة، أما الشهرة الحقة، فهي هبة أغدقها على من يروقني تمييزهم عن غيرهم من الناس.

وهنا قال صوت ثالث، يفيض بالرقة والعذوبة كأنه لحن يطرب النفوس ويهز القلوب:
- يا للحمق والغرور ! تتحثان عن سلطانكما، وهو ذرة في سلطاني، ألم تسمعا الإنسان يقول: "الحياة الحب والحب الحياة"، أسمعتماه مرة يقول إن الحياة هي المال أو الحياة هي الشهرة؟ سلا أي امرئ عن من غيّر الكون في عينيه فجعله ناضراً مزدهراً، سلاه عمن ملأه بالقوة والأمل، وعمن أضاء له سبيل الحياة بعد ظلمة حالكة، سلاه عن سلطان الحب، وهل ينتصر في هذه الدنيا سواه؟

واحتدمت المناقشة واشتد الجدل، واختلطت الأصوات حتى لم يعد المرء يميز فيها سوى خليط من الصيحات والصرخات، وأخيراً سمع صوت سلطان الحب وهو يهتف:
- إني أتحداكما، وأقبل النزال، ليس فقط مع أحدكما، بل مع كليكما، لتتحدا سوياً ولتأتلفا معاً، فتكونا حليفين، وأنا زعيم بأن أبرهن لكما على أن سلطانكما الذي تدعيانه هباء في هباء.

وتحالف سلطان المال وسلطان الشهرة، وقبلا ذلك التحدي من سلطان الحب، واتفق الفريقان على أن يحشد كل منهما قواه ويشحذ أسلحته، على أن يكون اللقاء في ميدان للقتال تم الاتفاق عليه.

* * *

نحن الآن في ميدان القتال، وهو ليس بنجاد ولا وهاد، ولا حقول ولا صحراء، بل هو مخلوق آدمي اختارته القوى الثلاث ليكون مظهراً لقدرتها ومقياساً لسلطانها، والرابح من الفريقين من استطاع السيطرة عليه والتحكم فيه وطرد الفريق الآخر من قرارة نفسه فاشلاً مخذولاً.

وكان ميدان القتال فتى في مقتبل العمر، مليء النفس بالأمل. ولكن تصاريف الحياة كدته وأوهنت قواه، وتركته حائراً مغموراً.

استلقى الفتى على فراشه خاوي البطن والذهن والفؤاد، ونظر من خلال النافذة إلى النجوم التي تلمع في ظلمة السماء، وسأل نفسه عما يأمل في هذه الحياة .. وأي خير يرجوه منها إذا استمر هذا الجوع، جوع القلب وجوع النفس !.

لقد كان أشد ما يؤلمه أن يرى نفسه مهملاً في ميدان الحب، فما من فتاة أقبلت عليه مرة، وما من فتاة أنعمت عليه بابتسامة، فكلهن ينفرن منه ويتجنبنه ويعاملنه بالغلظة والقساوة.

ترى هل ذلك لعجزه عن استمالتهن، أم أن السبب قلة ماله، أو قلة وسامته؟

* * *

وعصف اليأس بنفس الفتى، وفاض به الشجن، فقد كان فشله في اجتذاب الجنس الآخر يوهن من نفسه، ويحط من قوته.

وخيل إليه فجأة أن النافذة تحمل إليه صوتاً يسري مع النسيم، فأنصت، فإذا الصوت يهتف به:
- أيها التافه الأحمق، ماذا يخيفك منهمن وماذا يفزعك، وهن أحقر من أن يجلبن الوجيعة والألم ! أخرجهن من قلبك، فمكانهن تحت القدم، لا داخل القلب، أقبل على نفسك، فهي أحق منهن بالإقبال، إياك وما يسمونه الحب، فهو بريق زائف وسراب خلب، لا تجر وراء أوهام كاذبة وأحلام تمحوها اليقظة، سر في الحياة بلا قلب، فما اتفق القلب والعقل قط، واقتل ما في نفسك من شعور وإحساس فإنها سوس ينخر عظامك، وجراثيم تفتك بجسدك، ولو برأت منها لاستطعت أن تمسك الدنيا كلها بين يديك، ولأصبحت خير الرجال في هذه الأرض.

* * *

ومنذ ذلك اليوم والفتى تغير وتبدل، وغاضت من نفسه الرقة ونضب الشعور، وأضحى يقابل جفاء النساء بجفاء مثله وأشد، وأغمض عينيه عن كل ما فيهن من إغراء وفتنة .. وبدأ يسير في الحياة وهو مغلق القلب جامد الحس .. وأخذت تلك القوة الكامنة في قلبه تتسرب إلى رأسه .. وتحول جهاده في الحب إلى جهاد في سبيل المال والشهرة.

لقد خيل إليه أن به نقصاً يصرف ربات الجمال عنه، فصمم على أن يكون شيئاً في هذه الحياة .. أو لا يكون قط.

* * *

ودهش الناس لما أصاب الفتى .. فقد بدأ الحظ يبتسم له .. وبدا لهم منه نبوغ وعبقرية .. ومرت الأيام فإذا الفتى المغمور قد أضحى نجماً ساطعاً .. وإذا به صاحب منصب خطير ومال وفير.

واشتهر الفتى بشدة كرهه للنساء ونفوره منهن .. فقد كان يحذرهن كما يحذر السليم الأجرب .. ويتجنبهن كما يتجنب المرء أفعى ذات سم زعاف.

* * *

وهبت الريح في البقعة النائية .. فحملت ضوت سلطاني المال والشهرة وفيه نشوة الانتصار، وقال أولهما للآخر:
- يا لسلطان الحب الأحمق المغرور! أية هزيمة منكرة تلك التي حاقت به .. لقد انهارت سطوته وزال ملكه .. وعرف الإنسان أنه مخادع محتال .. واكتشف أن نعيمه زيف وبريقه خداع ..

وفي تلك اللحظة كان الفتى يقف وعلى وجهه عبوس وفي نظراته جد وقسوة .. وقد ركعت أمامه فتاة بالية الثياب رثة المنظر، بدت في وجهها صفرة مرض وبؤس وفاقة وقد أخذ جسدها يهتز من فرط البكاء وهي تصيح:
- إني لم أجرم ولم أسرق .. إنني أريد أن أعيش .. أريد ما أسد به رمقي.

ولم يلن وجه الفتى ولم تبد عليه بادرة شفقة أو رحمة، بل أشار بيده إلى بعض الخدم فأبعدوها عن أقدامه .. وزج بها في السجن فقد كانت سارقة أثيمة.

وخلا الفتى إلى نفسه فأحس بخلجة في قلبه .. فقد بدأ يتحرك بعد طول سكون .. كان فظاً قاسياً على الفتاة المسكينة فلم يرحم ضعفها وبؤسها .. لقد صمم على أن يعرض عن النساء وقسو عليهن .. ولكن هذه ليست امرأة .. إنها هيكل بائس محطم .. دفعه بقية أمل في الحياة إلى أن يسرق ليسد رمقه .. لشد ما أخطا فيما فعل .. لقد كان جامد الحس والقلب والعقل !!

ولم ينم الفتى ليلته .. واشتد به وخز الضمير .. وذهب عنه ذلك الجحود والقسوة .. وعاد إليه قديم رقته.

وكان أول ما فعله أن راح يزور الفتاة في سجنها خفية .. ليخفف من لوعتها ويرفه عنها .. وتكررت زيارته لها .. إذ تبين فيها نفساً رقيقة .. شديدة الصفاء .. وتبين أكثر من ذلك أن بالفتاة فتنة أخفتها الفاقة .. وسحراً حجبه البؤس المضني.

ومرت الأيام فإذا بالفتى الحذر قد كلف بالفتاة وأحبها.

واستمر بعد ذلك يزورها في بيت أبقاها فيه تحت جنح الظلام .. حتى ملّ أخيراً ذلك التستر .. وعزم على أن يرفعها حيث هو .. وقرر الزواج منها .. ضارباً بأقوال الناس عرض الحائط.

وأخذت المرأة بمظاهر النعمة والرفاهة، وأغراها الجاه والمال .. فإذا بها تصنع بالفتى ما صنعت الأفعى بالرجل الذي حملها من البرد القاتل فأدفأها في داره .. فما أن أحست بالدفء وانتعشت؛ حتى كان الرجل أول من لدغته .. أجل لقد أحست المرأة بالدفء فكشرت عن أنيابها للفتى .. تبعثر ماله .. وتلوث سمعته .. وهو غارق في حبها.

وبدأت الدنيا تدبر عنه .. فنفذ ماله .. وقل خطره .. وساءت سمعته .. وأخذ يعود كما كان مغموراً منسياً وهو قانع من كل هذا بحبه وهواه .. حتى كان ذات يوم أنزلت به ضربتها الأخيرة.

وكانت الصدمة قاسية أصيب منها بالذهول .. فهام على وجهه بعد أن فقد ماله وشهرته وحبه .. وانتهى به الأمر إلى أن جاع فسرق ليسد رمقه -كما فعلت الفتاة- وألقي به في السجن.

وصهر السجن نفس الفتى فبدأ يعود إلى وعيه .. وأدرك أن ضعفه هو الذي ألقى به إلى التهلكة .. فعزم على أن يعود إلى سابق قسوته وجموده .. وأن يحاول الخوض في معركة الحياة، فلعله بالغ مرة أخرى ما كان قد بلغ.

وأطلق سراحه في صباح يوم مشرق وخرج إلى الطريق يرسم في رأسه خططه المقبلة .. ولكنه رأى ما أذهله وقلب تدابيره رأساً على عقب.

رأى المرأة تنتظره وقد أطرقت برأسها في هدوء وصمت ورفعت إليه عينين تفيض منهما الدموع .. لقد عادت إليه تطلب المغفرة.

وأحس الفتى أنه قد أضحى مسلوب الإرادة .. وتطاير من رأسه كل ما رسمه من خطط .. وخانه ذلك الجمود وتلك القسوة .. وانقاد لها كأنه طفل غرير.

وقادته المرأة إلى ذلك البيت الذي كان يزورها فيه خلسة. جلسا حيث تعودا أن يرتشفا كئوس الحب حلوة مترعة .. ونظرت إليه في سكون تستغفره .. فلم يسعه إلا أن يغفر .. ومد يده فتخلل شعرها بأصابعه .. ثم أمسك بوجهها الصغير بين كفيه ووضع شفتيه ببطء على شفتيها .. واختلطت أنفاسها بأنفاسه .. وراحا في نشوة ..

وهبت على البقعة النائية .. موجة من الريح هائجة عاتية .. وسمع من خلالها صوت يزمجر مغضباً:
- ويل للإنسان الأحمق المأفون .. لقد أطاح بسلطاني وسلطانك .. ولم يبق على مال ولم يبق على شهرة ..

وأجابه صوت ناعم رقيق:
- لن أجيبك بشئ .. بل سأدع الفتى نفسه يجيبك.

وهمس الفتى في أذن الفتاة:

لا أريد في هذه الدنيا مالاً .. ولا شهرة .. أريدك أنت .. أريد الحب .. فكل شئ ما خلا الحب عبث!
"انتصار"
يوسف السباعي
TAFATEFO

.. هناك - فيما بدا لي - أمماً يمكن وصفها بأنها أمم عجوز وأخرى فتية. وهذا التمييز يتعلق بالموقف النفسي للشعب أكثر مما يتعلق بتاريخها أو نظامها السياسي أو الاقتصادي أو مواردها. والدول التي اعتبرتها دولاً فتية تتقدم بسرعة، أو هي على الأقل مؤهلة للتقدم السريع، بينما الأمم العجوز ثابتة في مكانها لا تكاد تتحرك، وأملها في التقدم ضعيف للغاية.

كانت الباكستان وتايلاند وماليزيا هي الدول التي شعرت بأنها "فتية"، بينما شعرت بأن الهند وبنجلاديش وإندونيسيا والفلبين كلها دول عجوز. ولكن لم أستطع الوصول إلى قرار واضح فيما يتعلق بنيبال أو سنغافورة، الأولى ربما بسبب فرط انعزالها عن العالم، وكأن قضية التنمية والتخلف لم تشغل بالها بعد، والأخرى ربما بسبب أنها مدينة أكثر منها دولة أو أمة.

كانت أهم السمات التي دفعتني إلى وصف المجموعة الأولى (الفتية)بالفتوة، هي أن شعوبها بدت لي وكأنها تأخذ الأمور مأخذ الجد، يحاول عمالها إتقان ما يقومون به من أعمال، أو ما ينتجونه من سلع، ويشعرون بالفخر إذ يتقنون أعمالهم. أما شعوب المجموعة الأخرى (العجوز) فقد بدا لي وكأنهم يشعرون بأنه "لا شئ يهم"، وكأن لا شئ يستحق منهم بذل الجهد وتحمل العناء، وكأن العمل المتقن ليس أفضل كثيراً من العمل غير المتقن: كل شئ سواء، والأمر كله في نهاية الأمر عيث في عبث.

قلت لنفسي إن الأمر لا يتعلق يدرجة الذكاء أو الحكمة. فمن يدري، قد يكون من الحكمة حقاً ألا يعلق المرء أهمية كبيرة على أي شئ، وقد يكون صحيحاً أنه "لا شئ يهم في نهاية الأمر"، وقد يكون من الذكاء أو الفطنة عدم المبالغة في تقدير النجاح، وألا نعلق أهمية كبيرة على ما لا يستحق كل هذا الاهتمام. ولكني قلت لنفسي أيضاً: إن الذكاء والحكمة شئ، والنهضة والتقدم شئ آخر. الأمة العجوز قد تكون رأت في تاريخها الطويل ما ثبّط همتها، ورسخ لديها الاعتقاد بأنه "لا شئ يهم في نهاية الأمر". وقد تكون الأمة الفتية، كالطفل الصغير أو الفتى اليافع، مفرطة في ثقتها بنفسها وحماستها وتفاؤلها، وستتكفل الأيام، على أية حال، بردها إلى صوابها. نعم، قد تكون الأمة العجوز أكثر حكمة حقاً، ولكن المستقبل والتقدم ما من نصيب الأمم الفتية، كما أن الشباب هم وحدهم أصحاب المستقبل.

عندما سألت نفسي عما إذا كانت مصر يمكن أن تصنف من بين الأمم الفتية أم العجوز؟ لم تكن الإجابة التي ملت إليها لأول وهلة باعثة على السورو. فالبلاد التي وصفتها بأنها عجوز كانت قد ضكرتني بأمور كثيرة في مصر. فالمصريون، إذا جاز التعميم، يميلون فيما يبدو إلى فلسفة "لا شئ يهم". ولكن سرعان ما طمأنت نفسي بعدة أمور. فأولاً لا يمكن تلخيض أسباب نهضة الأمم في عامل واحد نفسي، كما أن سيادة نفسيّة بعينها في دولة ما لابد أن تكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتركيبة الطبقية للمجتمع وكذلك بالتركيبة العمرية للسكان، وكلا الأمرين، التركيب الطبقي والعمري، يمرّان في مصر بتغيرات عميقة قد تدفع إلى السطح بطبقة اجتماعية جديدة أكثر حيوية ونشاطاً، وبأجيال جديدة أصغر سناً ومن ثم أشد رغبة في التغيير وأكثر تفاؤلاً بالمستقبل.

كما أن هناك سبباً آخر للتفاؤل، إذا نظرنا إلى المصريين كجزء من أمة أكبر. فمن بين الشعوب العربية، فيما أرى، من هو أكثر "فتوة" بكثير من المصريين. إن المصريين بلا شك لا ينقصهم الذكاء ولا الحكمة. ولكن الذكاء والحكمة شئ، كما قلت، والاستعداد للنهوض شئ آخر. وقد يكون مستقبل الأمة العربية ككل رهناً بما ستفعله تلك الأجزاء من العالم العربي التي تتسم بدرجة أكبر من الفتوّة، حتى إن لم يكن لهم مثل ما للمصريين من تاريخ موغل في القدم.

هكذا بدا لي الأمر في 1975، أي منذ ثلاثين عاماً، وقد حدث خلال هذه الثلاثين عاماً أشياء قد تؤيد صحة الفكرة، كالتقدم الاقتصادي السريع الذي حدث في ماليزيا وتايلاند، وبطء النمو في بنجلاديش والفلبين، ولكن حدثت أشياء أخرى قد يبدو تعارضها مع هذه الفكرة كالتقدم السريع الذي أحرزته إندونيسيا والهند. ولكن لا أظن أن معدلات النمو الاقتصادي تكفي للحكم عما إذا كان هذا التمييز بين الفتوة والشيخوخة صحيحاً و مفيداً أو غير صحيح أو مفيد. فهناك عوامل أخرى عديدة، خاصة ما تعلق منها بالظروف الدولية، قد يتغلب أثرها على أثر الشيخوخة والفتوة.
TAFATEFO
سألته أيضاً ضاحكاً عما إذا كان لمنصب الوزارة أية ميزة كانت تكفي لأن يتمسك به. قال إن لمنصب الوزير ميزتين وحيدتين. الأولى : تتعلق بـ(النطاط). إذ يخصص لكل وزير، عدا السيارة أو السيارتين الحكوميتين، والسائق الخصوصي، شخص آخر يعرف بـ(النطاط)، وهو شخص يجلس إلى جوار السائق وتنحصر مهمته في القفز من السيارة قبل وقوفها لكي يفتح للوزير الباب. ثال إن هذا التطاط مع ذلك سبب له مشكلة. فقد إستهجن إسماعيل غانم بشدة أن تكون هذه هي كل مهمة الرجل فقرر أن يستفيد منه على نحو آخر. كانت زوجة الوزير دائمة الشكوى من أنها لا تستطيع الحصول على زبد، فخطر له أن يكلف النطاط بشرائه، فيوفر على زوجته عناء الوقوف في طابور الجمعية. طلب الوزير إذن من النطاط أن يذهب ليبحث له عن زبد ثم صعد إلى مكتبه. فإذا بالتليفون يدق بعد ساعة في مكتبه وإذا بالمتحدث مدير مكتب وزير التموين مستفسراً من وزير التعليم العالي "كم كيلو من الزبد بالضبط يريد؟".

قال إن هناك ميزة أخرى لمنصب الوزير لا يمكن التهوين من أمرها. ذلك إنه بجلوس الوزير في قاعة اجتماعات مجلس الوزراء، وقبل أن يدخل رئيس الوزراء، كثيراً ما يأتي موظف إلى الوزير فينحني هامساً في أذنه ليخبره بآخر ما وصل إلى الجمعية التعاونية من سلع، للوزير الأولوية في الحصول عليها، وكان آخر ما يذكره هو شحنة من البطاطين الصينية كانت قد أرسلت كجزء من معونة صينية لبعض المحتاجين في مصر، فإذا بالموظف يسأله عما إذا كان الوزير يرغب في إرسال بعضها إلى بيته.
جلال أمين
ماذا علمتني الحياة؟
TAFATEFO
كانت تعاودني الدهشة كلما قرأت مقالاً جديداً له، من كل هذه الصلابة التي تكسوها أقصى درجات الهدوء وهذا الأدب الجم. كان يبدأ المقال هادئاً فيناقش أكثر الموضوعات سخونة مناقشة العالم الرصين. فيعدد الحجج التي تؤيد رأيه، ولا يبدو غاضباً أو ساخطاً، وإنما يبدو فقط وكأنه فكر ملياً في الأمر وانتهى إلى هذا الرأي الذي يطرحه، فإذا بك وقد انتهيت من قراءة حججه قد استبد بك الغضب، وغلى الدم في عروقك، وضربت كفاً بكف متعجباً من أن كل هذه الحجج الواضحة كالشمس لم تلفت نظر أولي الأمر. وتعجب أيضاً من أن يؤدي هذا الهدوء التام وهذا التحليل المنطقي الرصين إلى كل هذه المشاعر الفياضة لدى القارئ، وكل هذا السخط على ما آل إليه الحال.

كان يبدو زكأن مجموعة من المبادئ الأخلاقية والقانونية استقرت في ذهنه ولا يستطيع أن ينساها. هي في نظره من البديهيات ويدهشه ألا يراها الناس كذلك. من هذه البديهيات مثلاً أن الوزراء جميعاً مسئولون مسئولية تضامنية عما يفعله بقية الوزراء ورئيس الوزراء. ليس هناك شخص أكبر من أن يقال له أخطأت إذا أخطأ. لا فائدة من جمع المال إذا جاء من طريق غير شريف. حاجة الإنسان إلى المال هي في الحقيقة محدودة، فحاجات الإنسان الحقيقية قليلة. لا يمكن أن يرفع المنصب الكبير شخصاً صغيراً، ولا الخروج من المنصب يجعل الكبير صغيرا. إذا قمت بعمل لأن هذا هو ما أملاه عليك ضميرك فلن يزيدك شرفاً إشادة الناس بعملك، ولن يقلل من شرفك أن أحداً لم يشد به أو يذكره. لا فائدة من الطنطنة وعلو الصوت في قول الحق، لأن الحق واضح بنفسه، ولا يحتاج إلى مكبر للصوت.

وهكذا كان يفاجئنا الدكتور حلمي مراد، المرة بعد الأخرى، بمقال يذكر فيه الناس بأشياء كانت في الماضي تعامل كبديهيات ثم نسيها الجميع، مثل: أن الجامعة مكان لتلقي العلم وتوصيله للناس وليس لتحقيق الربح، أو أن القرارات المهمة في حياة البلد يجب أن تعرض على الناس للمناقشة قبل اتخاذها، أو أن الوزير الذي يُعطَى هدية من دولة أجنبية يجب ألا يحتفظ بهذه الهدية لنفسه بل عليه أن يسلمها للدولة لأنه لم يحصل عليها لشخصه بل بحكم منصبه، أو أن الوزير النظيف أفضل من الوزير غير النظيف، أو أن الزعم بالتصدي للفساد يتناقض مع تقييد حرية الصحافة .. إلى آخر هذه البديهيات التي يراها حلمي مراد واضحة كالشمس ويرفض القول بأنها من مخلفات الماضي وأن عليه أن ينساها.
ماذا علمتني الحياة
جلال أمين
TAFATEFO
كان الأمر كله صورة مصغرة لحالة المجتمع المصري ككل: مجتمع مكتظ بالسكان، لا ينتج ما يكفي لتوفير حياة لائقة للجميع، فيتنافس الجميع على الكسب المادي ويحاولون دون جدوى إخفاء هذه المنافسة والتظاهر بعكسها. وحدّة هذه المنافسة تضعف بشدة من احتمال وجود أي تعاطف حقيقي، إذ أنّ الجهد المطلوب لتحقيق الهدف لا يترك بقية للتعاطف الحقيقي مع الآخرين. هذه الأعداد الغفيرة من السكان هي المسئولة في النهاية عن هذا التنافس الحاد، ولكنها هي نفسها التي تخلق فرصاً لزيادة الكسب المادي إذا استطاع المرء أن ينتج سلعة تحتاج إليها هذه الأعداد الغفيرة، كالكتب الجامعية مثلاً.

كان التكالب على تدريس المقررات الدراسية في الفصول ذات الأعداد الكبيرة من الطلاب يصل أحياناً غلى درجة يصعب على العقل تصديقها. كما كانت المنافسة بين الأساتذة على التدريس في هذه الفصول تكوّن المحور الأساسي الذي تدور حوله أحاديثهم. حضرت مرة جلسة من جلسات مجلس الكلية، بعد ترقيتي إلى درجة أستاذ مساعد، حيث طرحت مسألة الخلاف بين قسمين من أقسام الكلية حول من الذي يقوم بتدريس مقرر باللغة الفرنسية أدخل حديثاً في الكلية. كان القسمان يتنافسان على الاستقلال بتدريس هذا المقرر ويقدم كل منهما الحجج لتأييد أحقيته به. لم يذكر من بين هذه الحجج ما يدره هذا المقرر من كسب مالي، مع أن جميع الحاضرين والمناقشين كانوا يعرفون جيداً أنّ هذا هو السبب الوحدي لهذه المنافسة الحادة. وبعد أن استمرت المنافسة فترة طويلة دون أن يتنازل أحد القسمين عن موقفه، تجرأ استاذ عجوز ممن لا ينتسب إلى هذا القسم أو ذاك، وممن رأوا عهداً ماضياً من عهود الجامعة في مصر لم يكن للكسب المادي فيه هذه الأولوية العالية، بل كان الأساتذة فيه يتنافسون في الأساس على أشياء أخرى غير المال، تجرأ هذا الأستاذ العجوز وسأل ببراءة عما إذا كان الأستاذان المتنافسان يجيدان اللغة الفرنسية التي سوف يدرس بها هذا المقرر. فإذا بنا نكتشف أن مستوى كل منهما في هذه اللغة لا يسمح مطلقاً بقيامهما بتدريس هذا المقرر. سألت نفسي عندئذٍ: "كيف سيكون حال هذه الكلية عندما يتوفى هذا الأستاذ العجوز وأمثاله ممن لا يزالون يتذكرون ماضياً أقل تعاسة؟".
ماذا علمتني الحياة؟
جلال أمين
TAFATEFO

يا قاتلتي ( القدس عروس عروبتكم )
مظفر النواب
يا قاتلتي بكرامة خنجرك العربي .. أهاجر في القفر
وخنجرك الفضي بقلبي.. وأنادي ..
عشقتني بالخنجر .. والهجر بلادي
ألقيت مفاتيحي في دجلة .. أيام الوجد ..
وما عاد هنالك في الغربة مفتاح يفتحني
ها أنذا أتكلم من قفلي
من أقفل بالوجد وضاع على أرصفة الشام .. سيفهمني
من كان مخيم يقرأ فيه القرآن بهذا المبغى العربي .. سيفهمني
من لم يتزوّر حتى الآن .. وليس يزاود في كل مقاهي الثوريين .. سيفهمني
من لم يتقاعد كي يتفرغ للهو .. سيفهم أي طقوس للسرية في لغتي
وسيعرف كل الأرقام.. وكل الشهداء.. وكل الأسماء

وطني علمني أن أقرأ كل الأشياء
وطني علمني .. علمني أن حروف التاريخ مزورة حين تكون بدون دماء
وطني علمني أن التاريخ البشري .. بدون الحب عويلاً ونكاحاً في الصحراء

وطني ...
هل أنت بلاد الأعداء؟
هل أنت بقية داحس والغبراء؟
وطني .. أنقذني .. رائحة الجوع البشري مخيفه ..
أنقذني من مدن يصبح فيها الناس مداخن للخوف وللزبل مخيفه ..
من مدن ترقد في الماء الآسن كالجاموس الوطني وتجتر الجيفه ..
أنقذني .. كضريح نبي مسروق
في هذي الساعة في وطني .. تجتمع الأشعار كعشب النهر ..
وترضع في غفوات البر صغار النوق
يا وطني المعروض كنجمة صبح في السوق ..
في العلب الليلية يبكون عليك ..
ويستكمل بعض الثوار رجولتهم، ويهزون على الطبلة والبوق

أولئك أعداؤك يا وطني

من باع فلسطين سوى أعدائك أولئك يا وطني
من باع فلسطين وأسرى بالله سوى قائمة الشحاذين..
على عتبات الحكام ومائدة الدول الكبرى
فإذا أذن الليل .. تطق الأكواب بأن القدس عروس عروبتنا
أهلاً أهلاً .. أهلا
القدس عروس عروبتكم !!

من باع فلسطين سوى الثوار الكتبة ؟!
أقسمت بأعناق أباريق الخمر، وما في الكأس من السم ..
وهذا الثوري المتخم بالصدف البحري ببيروت؛ تكرش حتى عاد بلا رقبة
أقسمت بتاريخ الجوع .. ويوم السغبة
لن يبقى عربي واحد
إن بقيت حالتنا هذي الحالة بين حكومات الكذبة

القدس عروس عروبتكم !!
فلماذا أدخلتم كل زناة الليل الى حجرتها
وسحبتم كل خناجركم .. وتنافختم شرفاً
وصرختم فيها ان تسكت صوناً للعرض
فما أشرفكم أولاد القحبة .. هل تسكت مغتصبة؟!

أولاد الفعلة..
أولاد الفعلة لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم
ان حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
تتحرك دكة غسل الموتى .. أما انتم لا تهتز لكم قصبة
الآن أعريكم
في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي
في كل زقاق أجد الأزلام أمامي
أصبحت أحاذر حتى الهاتف.. حتى الحيطان.. وحتى الأطفال
أقيء لهذا الأسلوب الفج
وفي بلد عربي كان مجرد مكتوب من أمي ..
يتأخر في أروقة الدولة شهرين قمريين

تعالوا ..
تعالوا نتحاكم قدام الصحراء العربية كي تحكم فينا
أعترف الآن أمام الصحراء بأني مبتذل وبذيء كهزيمتكم
يا شرفاءً مهزومين
ويا حكاماً مهزومين
ويا جمهوراً مهزوماً
ما أوسخنا.. ما أوسخنا.. ما أوسخنا.. ما أوسخنا
ونكابر ما أوسخنا
لا أستثني أحداً

هل تعترفون .. أنا قلت بذيء
رغم بنفسجة الحزن.. وإيماغ صلاة الماء على سكري ..
وجنوني للضحك بأخلاق الشارع والسكنات ..
ولحس الفخذ الملصق في باب الملهى

يا جمهوراً في الليل يداوم في قبو مؤسسة الحزن ..
سنصبح نحن يهود التاريخ ..
ونعوي في الصحراء بلا مأوى

هل وطن تحكمه الأفخاذ الملكية .. هذا وطن أم مبغى؟
هل أرضٌ هذي الكرة الأرضية.. أم وجر ذئاب؟
ماذا يدعى القصف الأممي على هانوي؟
ماذا تدعى سمة العصر وتعريص الطرق السلمية؟
ماذا يدعى استمناء الوضع العربي أمام مشاريع السلم ..
وشرب الأنخاب مع السافل فورد؟
ماذا يدعى أن تتقنع بالدين وجوه التجار الأمويين؟
ماذا يدعى الدولاب الدموي ببغداد؟
ماذا تدعى الجلسات الصوفية في الأمم المتحدة؟
ماذا يدعى إرسال الجيش الإيراني إلى قابوس؟
وقابوس هذا سلطان وطني جداً ..
لا تربطه رابطة ببريطانيا العظمى ..
وخلافاً لأبيه ولد المذكور من المهد ديمقراطياً ..
ولذاك تسامح في لبس النعل.. ووضع النظارات ..
فكان أن اعترفت بمآثره الجامعة العربية؛ يحفظها الله
وإحدى صحف الإمبريالية قد نشرت عرض سفير عربي
يتصرف كالمومس في أحضان الجنرالات وقدام حفاة (صلالة)
ومن لا يعرف أن الشركات النفطية في الثكنات هناك .. يراجع قدرته العقلية

ماذا يدعى هذا؟
ماذا يدعى أخذ الجزية في القرن العشرين
ماذا تدعى تبرئة الملك المرتكب السفلس في التاريخ العربي ..
ولا يشرب إلا بجماجم أطفال (البقعة)
أصرخ فيكم ..
أصرخ .. أين شهامتكم ان كنتم عرباً.. بشراً.. حيوانات ..
فالذئبة حتى الذئبة تحرس نطفتها ..
والكلبة تحرس نطفتها ..
والنملة تعتز بثقب الأرض ..
أما انتم فالقدس عروس عروبتكم .. أهلاً

القدس عروس عروبتكم !!
فلماذا أدخلتم كل السيلانات الى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم .. وتنافختم شرفا ً
وصرختم فيها أن تسكت صوناً للعرض
فأي قرون أنتم ؟!

أولاد قراد الخيل كفاكم صخباً ..
خلوها دامية في الشمس بلا قابلةٍ ..
ستشد ظفائرها.. وتقيء الحمل عليكم
ستقيء الحمل على عزتكم ..
ستقيء الحمل على أصوات إذاعتكم ..
ستقيء الحمل عليكم بيتاً.. بيتاً ..
وستغرز أصبعها في أعينكم ..
أنتم مغتصبيّ..
حملتم أسلحة تطلق للخلف ..
وثرثرتم.. ورقصتم كالدببة ..
كوني عاقر أي أرض فلسطين ..
كوني عاقر أي أم الشهداء من الآن ..
فهذا الحمل من الأعداء دميم.. ومخيف
لن تتلقح تلك الأرض بغير اللغة العربية
يا أمراء الغزو فموتوا..
سيكون خراباً.. سيكون خراباً..
سيكون خراباً .. سيكون خراباً
هذي الأمة لابد لها أن تأخذ درساً في التخريب.....
TAFATEFO

أصبت بأول خيبة أمل في الثورة عندما سمعنا في مارس 1954 بنشوب خلاف بين رجال الثورة وعزلهم لـ محمد نجيب من رئاسة الجمهورية. كنا نعشق محمد نجيب عشقاً، ففضلاً عن ارتباط اسمه بالثورة منذ أول ساعة، كان للرجل صفات شخصية شديدة الجاذبية، إذ بدا عليه الإخلاص التام والنزاهة والتواضع الحقيقي، مع ميل واضح للفكاهة دون أن يفقد احترام الناس له. لم نكن نعرف لأي عضو آخر في قيادة الثورة أي دور مهم فيها، وكان اسم جمال عبدالناصر لا يزال اسماً مغموراً لا أهمية له. كنت وقتها في السنة الثالثة في كلية الحقوق، وهاجت الجامعة هياجاً شديداً غضباً على عزل محمد نجيب. ولا أزال أذكر خطبة ألقاها حسن دوح، وكان من قادة الإخوان في الجامعة، وخطيباً موهوباً، دعا فيها إلى رفض الرأسمالية والاشتراكيةوالتمسك بالإسلام. وبلغ حماس الطلبة منتهاه عندما اقتطف آية قرآنية وهو يصف دعوته قائلاً إنها "لا شرقية ولا غربية"، "زيتونة مباركة". وقد ظل هذا الاقتطاف من القرآن الكريم عالقاً بذهني أتذكره كلما لاحظت مدى قوة تأثير الدين في المصريين، وكيف أن نفس الفكرة التي يمكن أن يقابلها الناس ببرود، يمكن أن تثير حماسهم بشدة إذا عبر عنها تعبيراً دينياً.


وقد انضممت إلى اعتصام قام به الطلبة في داخل قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة مصممين على عدم ترك مكانهم حتى يعود محمد نجيب إلى منصبه. وقد أرسل قادة الثورة إلينا من يحاول أن يثنينا عن عزمنا فلم نقبل، وقد فرضت حراسة قوية حول أبواب الجامعة تمنع أي شخص من الانضمام إلى المعتصمين، ولكن ترحب بخروج أي طالب إلى غير رجعة. وكنت أنوي قضاء الليلة معهم إلى أن جاءني من يقول إن سيدة تسأل عنك على سلم قاعة الاحتفالات، فخرجت إليها فإذا بها والدتي، رأستها واقفة على سلم قاعة الاحتفالات بشبشبها وطرحتها السوداء، وقد راعها أن تسمع بانضمامي للطلبة الثائرين فقد قررت أن تأتي على الفور لإخراجي.

......، وكان ذهولي برؤيتها بهذه الحالة، وخجلي من زملائي المعتصمين كافيين لأن أترك الاعتصام وأعود معها صاغراً إلى البيت.


لم يستمر الاعتصام طويلاً، بل ربما لم يستمر أكثر من بضع ساعات أخرى، إذ أعلن قادة الثورة عودة محمد نجيب، بناء على قرار ماكر، كما تبين لنا فيما بعد، بالانحناء للعاصفة حتى يهدأ الناس، على أن يعزلوه فيما بعد عندما يأخذون للأمر عدّته ويحسنون الاستعداد له. كان من بين ما رتب للتخلص من محمد نجيب نهائياً، إخراج مظاهرات تهتف ضد الدكتور السنهوري الفقيه الكبير، والذي كان وقتها رئيساً لمجلس الدولة ومن المناصرين لـ محمد نجيب. وخرج العمال المدفوعون بالطبع من رجال الثورة المنشقين على نجيب، يهتفون "يسقط السنهوري الجاهل"، واقتحموا عليه مبنى مجلس الدولة في الجيزة واعتدوا عليه وشجوا رأسه بلوح الزجاج الذي كان يغطي مكتبه. كان تأثري، أنا وزملائي في كلية الحقوق، شديداً بما حدث للسنهوري، ففضلاً عن أنه كان أقرب أصدقاء أبي إلى قلبه، كان يتمتع بمكانة عالية لدى طلبة الحقوق، فقررنا أن نذهب لزيارته في المستشفى ومعنا باقة ورد تحمل إهداء من طلبة كلية الحقوق، وقمنا بذلك بالفعل مما يدل على أن الدولة البوليسية لم تكن قد اشتد عودها بعد في مصر، إذ لم يكن مثل هذا العمل ليمرّ بسهولة لو كان قد حدث بعد سنوات قليلة.

كانت صحة أبي وقتها قد تدهورت بشدة، فنبهت علينا أمي ألاّ نخبره بما حدث للسنهوري خشية المزيد من التدهور. ومع ذلك فكان السر أكبر من قدرتها على كتمانه فسرعان ما أخبرته بنفسها بما حدث. وقد مات أبي بعد هذا الحادث بشهرين (30 مايو) ولكن السنهوري كان قد خرج من المستشفى، ولا أعرف بالضبط لماذا لم تسل دموعي على أبي، إلا عندما رأيت مدى حزن السنهوري عليه، وهو يسير في جنازته.


نشأ لديّ في ذلك الوقت شعور قوي كراهية جمال عبدالناصر. ولم يكن هذا وقتئذ غريباً بالمرة. لقد اقترن بدء تردد اسمه بانقلاب الثورة على نفسها، وبتوجيه انتقادات غير مقنعة وغير مفهومة لرجل كنا نحبه كل هذا الحب، وهو محمد نجيب. وقد سمعنا أن عبدالناصر كان له الدور الأكبر في ترتيب الاعتداء على السنهوري، وأنه ذهب مع ذلك لزيارته في المستشفى فرفض السنهوري مقابلته.


كان ذلك البيان غير المقنع وغير المفهوم الذي أذيع علينا لتبرير خروج محمد نجيب من منصبه مجرد بداية لسلسلة لم تنته من استخدام حجج وشعارات ملتوية، وتسمية الأشياء بغير أسمائها الحقيقية، من تسمية الهزيمة العسكرية بـ (النكسة) إلى تسمية انقلاب صاحب سلطة على صاحب سلطة آخر بـ (ثورة التصحيح) .. إلخ، مما لم يكن معهوداً في عصر ما قبل 1952. ثم لم ينقض وقت طويل على الانقلاب على محمد نجيب حتى جرى توقيع اتفاقية الجلاء في 1954، التي كرهناها أيضاً كرهاً عميقاً، إذ كانت تنص على حق الإنجليز في العودة إلى احتلال قناة السويس لدى حدوث أي اعتداء أو تهديد بالاعتداء على أي دولة من الدول العربية أو على تركيا، وكان مثل هذا النص هو الذي أثار المصريين على مشروع صدقي-بيفين (1946) وأدى إلى سقوط إسماعيل صدقي من الحكم. بدت لنا إذن اتفاقية الجلاء نكوصاً مشيناً عن الآمال القومية، وثارت شكوك قوية في وطنية عبدالناصر، ولهذا لم أشعر بأي تعاطف معه عندما حدثت محاولة الاعتداء عليه في ميدان المنشية بالإسكندرية في 1954، وكنت أكثر ميلاً إلى تفسير الحادث بأنه مدبر من الحكومة نفسها لتبرير القبض على بعض خصومها.


وشعرت بالامتعاض الشديد عندما سمعت ما قاله عبدالناصر للناس بعد إطلاق النار عليه مباشرة، إذ كان تعبيره عن تعجبه من أن يطلق أحد النار عليه هو "أنا الذي علمتكم العزة والكرامة"، فقد وجدت في هذه العبارة ما لا يطاق من الغرور من ناحية، وإهانة للمصريين من ناحية أخرى. كما أني استبعدت أن تتوافر لأي شخص البديهة الحاضرة لهذه الدرجة بعد إطلاق النار عليه مباشرة، إلاّ إذا كان يعرف بإطلاق النار مقدماً. في أعقاب هذا الحادث مباشرة خرجت أم كلثوم بأغنية جديدة مطلعها "يا جمال يا مثال الوطنية، أجمل أعيادنا القومية، دي نجاتك يوم المنشية"، فلم أصبر على سماعها، وكنت أغلق الراديو بمجرد أن تبدأ، مع أني كنت أيامها مغرم بأغانيها وأنتظر أي أغنية جديدة لها بفارغ الصبر.


لم أكن وحدي أشعر بهذا الشعور المعادي لـ عبدالناصر في 1954، بل كان يشاركني في ذلك الكثيرون، خاصة بعد أن سمعنا بفصل كثير من أساتذة الجامعة من اليساريين والإخوان المسلمين، والقبض عليهم لمجرد إبدائهم لآراء، أو الشك في أن لديهم آراء معادية للنظام. ولكن حدث في العام التالي مباشرة ما بدأ يشيع مناخاً جديداً، وبدأت ألاحظ في بعض المجلات المتعاطفة مع اليسار نغمة جديدة فيها تعاطف مع عبدالناصر. كان السبب في ذلك مؤتمر باندونج، حيث بدأ ظهور شعارات الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وبدا من حكومة الثورة أنها سوف تسير في نفس الاتجاه الذي رفع شعاراته نهرو و سوكارنو و تيتو. ولكن التغير الكامل في موقفنا ومشاعرنا تجاه عبدالناصر جاء في 1956، بإعلانه المفاجئ تأميم قناة السويس. لم نصدّق آذاننا ونحن نسمع الخبر، وكانت فرحتنا واعتزازنا بأنفسنا ومصريتنا أكبر مما يمكن وصفه.

ماذا علمتني الحياة؟
جلال أمين
TAFATEFO
وذهب المجلس المحترم، وأخذ في استجواب الرجل،
ولكنه لم يجب بحرف واحد، بل صاح
بابنته، فتقدمت
حاملة بين يديها منضدة صغيرة ،
حاملة أكواب الماء
الأسود

- إنه، يا سيدي، شئ مخيف ومروع حقاً!!

- هدئ من روعك يا بني، واسترح قليلاً، ثم خبرنا بجلية الأمر ..

ولكن الرجل لم يسترح ولم يهدأ .. بل اندفع يتحدث في سرعة دافقة، وقد ارتجف جسمه، واحمرت عيناه، كأن به مساً من شيطان رجيم ..

قال إنه رأى أشباحاً ضخمة مخيفة .. تتحرك ببطء، وقد تقدمتها حيوانات بشعة لم ير مثلها من قبل .. وكانت القافلة الرهيبة تزحف دون أن يظهر بينها آدمي واحد .. حتى خيل إليه أن أصحابها من الجن والأبالسة.

وسرى النبأ في القرية سريان النار في الهشيم .. وعلم أهلوها أن عدواً غامضاً مخيفاً بات يهدد سلامتهم، وأنه يوشك أن ينقض عليهم فيوسعهم نهباً وسلباً، ويذيقهم عذاباً أليما!

وسرعان ما احتشد رجال القرية بأقواسهم ونبالهم، ومضت جحافلهم تريد العدو .. لمنازلته وسحقه!

* * *

كان ذلك في أوائل القرن التاسع عشر، في إحدى قرى ولاية أوريجون بأمريكا الشمالية، وكانت قرية بعيدة يسكنها الهنود الحمر، لم يستطع المستعمرون البيض أن يصلوا إليها في ذلك الحين.

وفي ذات يوم شاهد أهل القرية رجلاً غريباً يقبل عليهم، وقد ساق أمامه جواداً عجوزاً أعجف، حمّله ما استطاع من بضائع أوروبية أثارت عجب القوم ودهشتهم ..

وتهافت القوم على بضاعة الرجل، وبدأت المقايضة .. فأخذوا كل ما معه من (بطاطين) زاهية، وحلى مذهبة، وأدوات للطبخ والأكل براقة لامعة، واستولى هو على كل ما لديهم من فراء ثمين، ثمناً لبضاعته الزهيدة التافهة .. ومع ذلك كان اغتباط القوم بما أعطاه الرجل لهم لا يكاد يقدر .. بل أظهروا له عظيم أسفهم عندما اعتزم الرحيل، ورجوا منه رجاء حاراً ألا يطيل غيبته، وأن يحضر لهم في المرة القادمة كل ما يستطيع حمله من سوق الرجال البيض.

وولت الأيام، والقوم في انتظار الرجل الأبيض الذي طالت غيبته، حتى يئسوا من عودته، وانمحت ذكراه من رؤوسهم ..

وفي يوم من الأيام أقبل رجل منهم يعول ويصيح وقد تملكه الفزع .. وأخبرهم أنه رأى خارج القرية عدواً مخيفاً جباراً يزحف عليهم كأنه القدر المحتوم. وهرع القوم إلى أسلحتهم، وهبوا يذودون عن حياضهم .. وسارت جماهيرهم ثائرةً صاخبةً تهدد الغازي بالويل والثبور ..

وظهرت في الأفق طلائع العدو، فذهل القوم لرؤيتها وتسمروا في أماكنهم كالحجارة! .. لقد صدق النذير، ولم يكن مبالغاً فيما وصف!!

هذه الأشباح الهائلة المخيفة التي تتقدمها حيوانات ضخمة مروعة! ترى ما كنهاا؟ وماذا تبتغي؟ ..

ولم يبد على العدو الزاحف أي إشارة تدل على العدوان .. فزاد ذلك من دهشة القوم، وأطلقوا عليه بضعة أسهم في الهواء استفزازاً له، ولكنه استمر في مشيته الهادئة، ومظهره المسالم، وأخذ يقترب منهم شيئاً فشيئاً، حتى أصبح منهم على قيد خطوات ..

.. وفجأةً انقلب فزع القوم ودهشتهم إلى موجة فرح وسرور سرت بينهم، وإذا بهم يقهقهون ويرقصون حول ما ظنوه في بادئ الأمر عدواً يهدد سلامتهم .. فقد وجدوا عدوهم المخيف، هو التاجر الأبيض الذي ينتظرونه بفارغ الصبر .. ولم تكن الأشياء الضخمة الرهيبة التي تتقدمها الحيوانات المخيفة سوى عربات كبيرة تجرها الثيران، وقد حملها التاجر بالبضائع المختلفة!

وسار أهل القرية يتقدمون موكب التاجر، ودخلوا القرية كالغزاة الفاتحين .. وانتقى التاجر قطعة أرض واسعة في وسط القرية فحط بها رحاله، وأخذ يبتني له كوخاً خشبياً واسعاً جعله قسمين: أحدهما لسكناه هو وفتاته الحسناء الذهبية الشعر، والآخر نظم فيه بضاعته تنظيماً بديعاً، استهوى أفئدة الهنود، وملأهم سروراً وعجباً.

ولم تكد تمضي أسابيع قلائل حتى كان الرجل قد استنفذ معظم ما يملكه أهل القرية من نفائس وفراء نظير جزء ضئيل من بضائعه. ووجد نفسه قد أصاب في غمضة عين ثراء طائلاً لم يكن يحلم به ..

وذهب عمدة القرية لزيارة حانوت الرجل ومشاهدة ما به من تحف، فاستقبله بالحفاوة والترحاب، وأكرم وفادته، وعرض عليه كل ما عنده من بضائع نفيسة.

وعندما هم العمدة بمغادرة الحانوت، قاده الرجل إلى غرفة صغيرة مظلمة في مؤخرة الكوخ، وأسر في ذهنه هامساً:
- سأذيقك نوعاً من الشراب إذا أقسمت ألا تبوح بسره لأحد!

وبعد أن أقسم العمدة يميناً غلظة، ناوله الرجل كوباً مليئة بشراب سماه (الماء الأسود) .. وكان الشراب نوعاً من الخمر المعتقة، أغلب الظن أنه (الروم).

وكانت الخمر في ذلك الوقت حرم بيعها للهنود الحمر، لما لها من تأثير بالغ فيهم، ولكن التاجر كان قد تملكه الجشع، وأغراه ما حصل عليه من ثروة طائلة، فطمع في المزيد، ورسم لنفسه خطة يتحايل بها على بيع الخمور للقوم بأبهظ الأثمان فتتضاعف بذلك ثروته، ويستنزف منهم كل ما يملكون.

وفعلت الخمر فعلها برأس الرجل الوقور فأصابته نشوة .. واستخفه طرب .. وذهل الناس عندما رأوا عمدتهم المهيب يعود إلى داره مترنح الأعطاف، يوزع النكات ذات اليمين وذات اليسار، ويرفع عقيرته بالغناء، غير متورع عن الرقص وسط الطرقات!!

وفي اليوم التالي حينما أفاق الرجل، ولم يجرؤ أحد على مصارحته بهزله الشائن، وعبثه الماجن .. ولم يجد الرجل ما يمنعه من كوب آخر من الماء الأسود على سبيل (الفرفشة) فولى وجهه شطر حانوت التاجر ..

وتكررت المهزلة يوماً بعد يوم .. ووجد أهل القرية أنّ الأمر أصبح جد خطير، فانعقد مجلس القرية للتشاور فيما أصاب زعيمهم .. وقرروا آخر الأمر أن التاجر الأبيض قد سلط عليه روحاً شريرة أصابته بخبل، وجعلت منه سخرية وأضحوكة .. واتفقوا على إيفاد رسول منهم إلى التاجر لنهيه عن فعلته الشائنة، وأمره بطرد الروح الشريرة من جسم الزعيم.

وذهب الرسول فأنذر الرجل، وأنصت هذا لحديثه حتى النهاية، دون أن ينبس ببنت شفة .. فلما انتهى قاده من يده إلى الحجرة النائية، وفعل به مثل ما فعل بالزعيم في أول الأمر.

وخرج الرسول نشوان مترنحاً .. هازلاً ماجناً .. يغني ويرقص .. تماماً كما فعل زعيمه من قبل!!

وذهل أعضاء مجلس القرية حينما رأوا ما حل برسولهم، وما زالوا يستجوبونه حتى باح بالسر .. وهو مخمور لا يدري ما يقول!!

ودهش القوم، ولم يصدقوا الرجل، واستقر رأيهم على أن يذهبوا جميعاً ليتبينوا الحق من الباطل .. وكان هذا هو كل ما يرغبه التاجر الأبيض!!

ذهب المجلس المحترم، وأخذ في استجواب الرجل، ولكنه لم يجب بحرف واحد، بل صاح بابنته، فتقدمت حاملة بين يديها منضدة صغيرة صفت عليها أكواب الماء الأسود!

وتردد القوم برهة، ثم مدوا أيديهم يجرعون ما بالأكواب .. وبعد هنيهة أصبح مجلس القرية .. مجلس (أنس) ..

وتهافت على التاجر أهل القرية يطلبون الماء الأسود فلم يبخل عليهم به .. ورفض أن يأخذ منهم أي مقابل!

وحدث بعد ذلك ما ينتظر كل امرئ منهم حدوثه .. فقد استساغ أهل القرية الخمر، وأقبلوا عليها، فرفع الرجل ثمنها شيئاً فشيئاً، حتى بلغ السعر الذي يبيع به الكأس الواحدة حد الجنون!

وأخيراً نفذ الخمر. وهنا كانت الكارثة: ظن الناس أن التاجر قد أخفاه ليبيعه بسعر أعلى، فتكاثروا عليه وطلبوا إليه أن يعطيهم خمراً، ولم يجد التاجر نفعاً أن يقسم أيماناً مغلطة بأن الخمر قد نفدت وأنه يعدهم بأن يذهب إلى سوق الرجال البيض، فيحضر لهم ما يشاؤون من ذلك الماء الأسود.
ورفض القوم الظامئون أن يصدقوا الرجل أو يطلقوا سراحه .. وأخذوا في تعذيبه أمام ابنته، والرجل يئن ويتلوى ألماً. حتى إذا يئسوا منه؛ أغلقوا عليه وابنته الكوخ .. ثم أشعلوا النار!

وانصرف القوم، تاركين الكوخ يحترق بما فيه.

الماء الأسود
يوسف السباعي
TAFATEFO
ومن الضروري هنا أن نقرِّر: أن مفهوم كلمة (الدِّين) ليس هو مفهوم كلمة (الإسلام) كما يتصور ذلك كثير من الكتاب المعاصرين.

نعم يمكن أن يكونا شيئا واحدا، إذا أضفنا الدِّين إلى الإسلام أو إلى الله، فنقول (دين الإسلام) أو (دين الله) جاء بكذا أو كذا، أو هو الدِّين الذي بعث الله به خاتم رسله: محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل به آخر كتبه: القرآن الكريم.
ولكن إذا ذكرت كلمة (دين) مجردة من الإضافة أو الوصف، فهي أضيق مفهوما من كلمة الإسلام، لأن (الدِّين) في الحقيقة إنما هو جزء من الإسلام.

ومن هنا رأينا الأصوليين والفقهاء وعلماء المسلمين يُقَسِّمون المصالح التي جاءت شريعة الإسلام لتحقيقها في الحياة إلى: ضروريات وحاجيات وتحسينات. ويَحْصُرون الضروريات التي لا تقوم حياة الناس إلا بها في خمسة أشياء، وهي: الدِّين والنفس والنسل والعقل والمال. وأضاف بعضهم سادسة، وهي: العرض.

فالشريعة الإسلامية من مقاصدها الأساسية: أن تُقِيم (الدِّين) وتحافظ عليه، لأنه سر الوجود، وجوهر الحياة، ومن أجله خَلق الله الناس، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذريات:56].
بل أعلن القرآن أن الله لم يخلق هذا العالم عُلْويَّه وسُفْليَّه، بسمواته وأرضه، إلا ليعرفه خَلقه، فيؤدوا إليه حقه، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق:12].

فالدِّين إذن هو ما يحدد العلاقة بين الله سبحانه وخَلقه من المكلَّفين، من حيث معرفته وتوحيده، والإيمان به إيمانا صحيحا بعيدا عن ضلالات الشرك، وأباطيل السحرة، وأوهام العوام. ومن حيث إفراده جل شأنه بالعبادة والاستعانة، فلا يُتوجه بالعبادة إلا إليه، ولا يستعان -خارج الأسباب المعتادة- إلا به سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5].

ومن هنا نرى كلمة (الإسلام) أوسع دائرة من كلمة (الدِّين). ولهذا نقول: الإسلام دين ودنيا، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، خُلُق وقوة.
ورأينا من أدعية نبينا صلى الله عليه وسلم: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي".
وهكذا رأينا: (الدِّين) يقابل بـ(الدنيا)، ورأينا الفقهاء يقولون عن بعض أعمال المكلَّفين: تجوز دينًا أو ديانة، ولا تجوز قضاء أو العكس.
ورأينا الكلام عن (الدِّين والسياسة)، أو (الدِّين والدولة) في كلام كثير من العلماء على تنوع اختصاصهم.
الدين والسياسة
يوسف القرضاوي
TAFATEFO

لا عجب أن أقبلت بلهفة على قراءة مقال وجدته في صحيفة بريطانية كتبه المخرج راي (Satyajit Ray) بمناسبة ذكرى طاغور (Rabindranath Tagore) . وفيه إشارة إلى الواقعة المؤثرة الآتية التي حدثت له وهو طفل في الثامنة من عمره. قال راي أنه نشأ في نفس البلدة من بلاد البنجال بالهند، التي عاش فيها طاغور. وكانت أم راي تزور طاغور أحياناً فكان يسألها عن تعليم ابنها وتطوره العقلي. وفي أحد الأيام جاءته أمه مصطحبة ابنها ساتياجيت وطلبت من طاغور أن يدعو لابنها ويباركه، فقام طاغور وأحضر قلماً وورقة وكتب عليها مقطوعة شعرية قصيرة من تأليفه، وطواها وأعطاها للأم قائلاً:
(( احتفظي بهذه القصيدة القصيرة لابنك حتى يكبر. إنه لن يفهمها الآن، ولكنه سيفهمها بكل تأكيد عندما يكبر. ))

وكانت القطعة التي كتبها طاغور:
" لقد أنفقت ثروة طائلة في السفر إلى شواطئ بعيدة، فرأيت جبالاً شاهقة ومحيطات لا يحدّها حد. ولكني لم أجد متسعاً من الوقت لأن أخطو بعض خطوات قليلة خارج منزلي، لأنظر إلى قطرة واحدة من الندى، على ورقة واحدة من أوراق العشب ".
" I have spent a fortune travelling to distant shores, and looked at lofty mountains and boundless oceans, and yet I have not found time to take a few steps from my house, to look at a single dew drop on a single blade of grass".
TAFATEFO
كذلك فإن تجربتي ومشاهداتي ، ليست فقط المستمدة من أسرتي بل ومن خارجها أيضاً، تكاد تجعلني أقطع بأن الحس الخلقي للمرء يولد مع الطفل بدرجة معينة من القوة، مثلما يولد معه أنف بحجم معين وصوت ذو نغمة خاصة. إن من بين أفراد عائلتي من لا يتصور الكذب ومنهم من يكاد يستعذبه. منهم من لا يهمه كثيراً ما إذا كان غنياً أو لم يكن، ولكن منهم من كان، منذ نعومة أظفاره، على استعداد لبيع نصيبه من المانجو التي قد يجلبها أبي معه للغذاء، وإضافة حصيلة البيع إلى مدخراته. منهم من كان دائماً يلتهم الكتب التهاماً، ومنهم من كان مجموع ما قرأه، عدا الكتب المدرسية، بعض مقالات خفيفة في كتاب أبي "فيض الخاطر"، كان يقرؤها أحياناً قبل النوم ثم سرعان ما يغلبه النعاس.

وعندما أستعرض ما آل إليه أصدقائي في المدرسة الابتدائية أو الثانوية، ممن عرفت تطور حياتهم بعد تخرجهم، أجد ما يقطع بصحة هذا الاستنتاج. كان من بينهم النابغ والمحدود الذكاء، سريع الفهم والبطيء، العميق والسطحي، من يلتقط الفكرة الصعبة بسهولة وسرعة، ولكنه قليل الصبر على الربط بينها وبين فكرة أخرى، ومنهم المتأني البطيء الذي لا يفهم بسرعة، ولكنه يصرّ على البحث عن العلاقات غير الظاهرة حتى يجدها. كذلك كان من بينهم النبيل والسافل، الشهم والنذل، المستعد دائماً للتضحية ومن لا يفكر إلاّ في نفسه. لقد دخل معظمهم، بل وربما كلهم، الجامعة وتخرجوا بشكل أو بآخر فيها، وحصل معظمهم على وظائف محترمة، وحصل بعضهم على الدكتوراه، من بين الأذكياء والأغبياء، ولكن ظل كل منهم على حاله الذي بدأ به، عقلياً وخلقياً.

***

منذ ثلاث أو أربع سنوات خطر لأحد زملائي القدامى، الذي كان تلميذاً معي في نفس الفصل المدرسي منذ ما يقرب من ستين عاماً، عندما كنا في نحو الثانية عشرة من عمرنا، أن يدعوا أكبر عدد ممكن من هؤلاء الزملاء القدامى إلى العشاء في مطعم يطلّ على النيل، وقبلت الدعوة مسروراً ومتشوقاً إلى أن أرى ما فعله الدهر بأصدقاء الصبا، وبعضهم لم أكن رأيته قط منذ كنّا في تلك السن الصغيرة، فرأيت عجبا. نعم، لقد شاب شعر أكثرهم، وتشققت البشرة بالتجاعيد ، وجاء أحدهم يستند إلى عكاز، وسيطر الحزن على آخر بسبب أزمة قلبية حديثة العهد. ولكني وجدت أن من كان ذكياً لا يزال ذكيا، ومن كان غبياً لا يزال غبيا، وثقيل الظل ظل كما هو، ومذلك خفيف الظل. كلهم في يسر نسبي، وكلهم لهم، أو كان لهم وظائف أو أعمال محترمة، ولكن التفاوت العقلي والخلقي لم يطرأ عليه أي تغير، إذ يبدو أنه لا المدرسة النموذجية، ولا المدارس الأقل نموذجية، استطاعت أن تقضي على هذا التفاوت.
ماذا علمتني الحياة؟
جلال أمين

TAFATEFO
وكانت العادة قد جرت على أن يبدأ الذين بيدهم تقسيم الأغنام في إعطاء الآلهة حصتها من الأسلاب .. اعترافاً لها بالحمد والشكر لما حبتهم به من نعم وجعلتهم من الظافرين.

ثم يأتي بعد ذلك دور كسرى .. وكان من نصيبه في هذه المعركة خباء فخم لأبروداش أحد قواد الأشوريين، وكان به زوجته الفاتنة الحسناء، ومعها جواريها من راقصات ومغنيات، وبقية الخدم والأتباع.

ولما وصل كسرى النبأ .. طلب -أراسبيز- صديق طفولته ووكل إليه أمر الخباء وكلفه بحراسة الأميرة وتوابعها. وشعر أراسبيز بعبء هذه المهمة التي ألقيت على كاهله فسأل كسرى:

- هل رأيت هذه المرأة التي كلفتني بحراستها؟


- كلا .. لم يقع نظري عليها بعد.


- لقد رأيتها عندما كنا نوزع الغنائم، ولم أستطع تمييزها لأول نظرة عندما دخلت الخباء .. فقد كانت ترتدي نفس الملابس التي ترتديها تابعاتها .. ولكن النظرة الثانية إليها علمتني أنها نسيج وحدها .. لقد وقفت عندما أمرتها بالوقوف .. فكانت قطعة أبدع الله صنعها .. كانت تبكي بكاءً مراً .. وحاولنا طمأنتها والتخفيف من لوعتها .. فقلنا لها إنها قد أصبحت ملكاً لكسرى العظيم .. سيد ملوك العالم قاطبة .. فما زادها إلا عويلاً ونحيباً .. حتى لقد شقت خمارها فبدا منه رأسها وتعرت رقبتها حتى الكتف .. فشع منها السحر حتى كاد يذهب بأبصارنا وعقولنا ..


ثم صمت لحظة وأردف:


- اذهب إليها .. لترى الفتنة وضعت في امرأة. اذهب وانظر .. فترى عيناك .. أكثر مما سمعت أذناك.


وهز كسرى رأسه، ثم أطرق وقال:

- يا صاحبي لن أذهب إليها قط .. لن ألقي بيدي إلى التهلكة .. سأفر من هذه الفاتنة .. وسأمعن في تجنبها كلما أمعنت في وصف جمالها .. أنت تعلم أنه ليس لدي وقت للهو والحب .. فلو كانت صاحبتك كما وصفتها، لأذهب جمالها مني العقل .. فارتميت في أحضانها .. وفقدت معاركي وكنت من الخاسرين.


فضحك أراسبيز ساخراً وقال:


- كسرى العظيم يقول هذا ؟! أتصدق يا سيدي أن مجرد النظر إلى الجمال مهما كان سحره يمكن أن يفتن الرجل القوي .. فيوقعه في شراكه ويجعله يتخبط كـفأرٍ في مصيدة؟ .. كلا يا سيدي .. كلا .. لو كان قولك صحيحاً، لكان الجمال كنار مستعرة، تحرق بشواظها كل من لمسها .. ولكنا رأينا كل من حول هذه المرأة قد اكتوى بنار حبها .. وجن من فرط هواها.


إن الحب يا سيدي لا يمكن أن يكره عليه المرء .. إنه أمر يفعله الإنسان بمحض إرادته .. وبمشيئته واختياره .. فهو ليس -كما تتصور- أغلالاً يكبل بها المرء، أو أسراً يقع فيه .. والإنسان حر في أن يحب أو لا يحب .. وليست المسألة مسألة جمال .. فقد يجذبني جمال لا يحرك فيك ساكناً .. وقد أرى جمالاً لا يكلفني حتى مشقة النظر إليه .. ثم تراه فيتركك صريعاً لا حراك بك.


وعلى أية حال .. فإنني أعتقد أن ذا الحجا .. يستطيع أن يسير في الطريق الذي يريد أن يسير فيه .. ولن تستطيع امرأة -مهما بلغت من السحر- أن تثنيه عن غايته.


وكان كسرى يسمع لصاحبه مطرقاً، فلما انتهى صاحبه رفع إليه رأسه سائلاً:


- إذا كان الأمر كما تقول يا أراسبيز، فلم لا يكف الناس عن الحب؟ .. لم لا يستطيع هؤلاء الذين تحطمت حياتهم على مذبح الحب؛ أن يفروا منه؟ وهؤلاء الذين ذهبت عروشهم في سبيل الحب؛ فذلوا بعد عز؛ لِمَ لَم يتمكنوا من الإفلات من شراكه؟ وأولئك الذين أدمت أقدامهم الأشواك الملقاة في طريق الحب فتعثروا فيها؛ لِمَ لَم يطرقوا طريقاً آخر؟


- هؤلاء هم ضعاف النفوس .. خفاف الأحلام .. ولعمري؛ لا أدري لِمَ نصفح عن أولئك الذين لا يستطيعون أن يكفوا عن الحب .. ونعاقب أولئك الذين لا يستطيعون أن يكفوا عن السرقة وهم في الجرم سواء ..

فإذا كان الأخير لا يبرر جرمه أن ما سرقه قد أغراه بالسرقة .. فلِمَ يبرر حب العاشق أن الجمال قد أغراه بالحب؟


إن الذين تسميهم بضحايا الحب .. هم أولئك الذين لا يصلحون في الحياة لشئ .. ولو لم يكونوا ضحايا حب؛ لكانوا ضحايا أي شئ آخر .. بل لكانوا ضحايا أنفسهم، وضحايا عجزهم وضعفهم. وكل ما في الأمر أنهم جعلوا الحب ستاراً يخفون خلفه نفوسهم الواهنة ..


ولم لا تأخذ مني مثلاً يا سيدي؟ وقد رأيت هذه المرأة التي ركبت في عينيها؛ بل في كل جزء من أجزاء جسمها .. قوساً وسهاماً .. فهي لا تفتأ تصيب الناظر إليها بالسهم تلو السهم .. حتى يسلم إليها .. أو يسقط صريعاً .. فما استطاعت أن تصيبني بخدش .. لا لشئ إللا لأني أعلم أن ليس لي أن أحبها لأنها ليست ملكاً لي .. بل ملكاً لك.

- قد تكون صادقاً .. ولكن تذكر أنك لم تر المرأة إلا مرة واحدة فقط .. لقد أبيتَ إلا أن تشبه الجمال بالنار التي تلهب كل من لمسها .. ولكني أؤكد لك أن النار أخف وطأة .. لأنك لن تلهبك إلا إذا وضعت يدك فيها .. أما الجمال، فصاحبته يمكن أن تصيبك وهي بمنأى عنك .. فتشعل فيك الفؤاد .. وتلهب القلب .. فلا تشعر إلا حين تصبح هشيماً تذروه الرياح .. وإذا بك يا صاحبي قد أصبحت دون أن تدري من ضحايا الحب ..

وافترقا .. وكل منهما ما زال عند رأيه .. وكان آخر ما قاله أراسبيز:

- إني لن أقع في شراك حب لا أرغب في الوقوع فيه.

من قصة " كسرى وصاحبه "
يوسف السباعي
TAFATEFO
" كان للرجل منا ثلاث نساء ، صاحبة للهو والتسلية ، وخليلة لقضاء
رغباته الطبيعية، وزوجة لتهيئ له بيتاً هادئاً محترماً وأبناء شرعيين"
Demosthenes
لم يبد عجز الرجال في شئ، منذ بدء الخليقة، كما بدا عجزه في تنظيم العلاقات بينه وبين المرأة. ولم يفشل في شئ قدر فشله في تحديد ما يجب أن يعطيه لها، وما يجب أن يأخذه منها.

وقد تكون أسعد فترة فترة قضاها الرجل في التاريخ هي تلك الفترة التي كان يعيش فيها على الفطرة، دون أن تحيده قيود، أو تقيده قوانين، سوى تلك التي وضعتها الطبيعة.


ولكنه - قاتله الله - بدأ في التطلع إلى الرقي، فأخذ في وضع القوانين، وخلق الحقوق والواجبات. وكان أول ما واجهه من مشاكل، هو ماذا يعطي نصفه الأضعف، وماذا يحرم عليه؟ وكانت النتيجة أن انتهى الأمر به إلى وضع نظام الزواج. ولكن هذا النظام لم يحل المشكلة، فقد كان الرجل فوق احتياجه إلى ربة بيت ترعى شؤونه وتربي صغاره، يحتاج إلى أخرى تعطيه اللذة والمتعة، وتنسيه متاعب البيت وقيوده. وقد يخيل للمرأة أنها قادرة على أداء العملين، ولكن الرجل يؤكد أن امرأة واحدة لن تستطيع أن تعطيه كل ما يطلب، فبدأ يبحث بعد الزوجة عن امرأة أخرى، للهو والمتعة، ولكن هذه الأخرى، لم يرضها أن تكون مجرد أدادة لهو، وبدأت تطالب هي الأخرى بحقها في الحياة (الزواج)، وكانت نتيجة ذلك أن نشأ نظام تعدد الزوجات. ولكن حتى هذا أيضاً لم يقنع الرجل، فقد رأى أن المرأة تفقد قيمتها كوسيلة للمتعة بمجرد أن تصير زوجة، ورأى من الحمق أن يحاول التخلص من قيود الزوجة بزوجة أخرى، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ وأدرك أخيراً أن شر ما يبتلى به الرجل هو عدة زوجات، وأن خير وسيلة للتمتع بالحياة، هو أن يقنع بزوجة واحدة، وبضع محظيات. فليس أحب إلى نفسه من اللذة المسروقة والمتعة المختلسة، وما كانت رغبة الرجل في المرأة لتقاس بمقدار جمالها، بل بمقدار ما يلقاه من مشقة في الحصول عليها. فإن وجدها سهلة في يده لا تعب في الوصول إليها ولا مشقة، ذهبت فتنتها وخبا بريقها، وهكذا الزوجة لا يكاد الرجل يحصل عليها، ويجدها طوع أمره، حتى يزهد فيها وينصرف عنها، ولا تكاد تثيره إلا بمقدار ما يثيره تمثال في ركن الدار حتى ولو كان لإلاهة الجمال.


هكذا خلق الرجل ! هو دائماً يريد امرأة أخرى، لا يهمه أن تكون أجمل من الأولى، بقدر ما يهمه أن يركب الصعب في الحصول عليها، وأن تكون محرمة عليه ممنوعة عنه.
من قصة " المرجومة الخالدة "
يوسف السباعي