‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد أمين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد أمين. إظهار كافة الرسائل
TAFATEFO
...قد كنت من غفلتي أعتقد أن العقل هو وحده الوسيلة الطبيعية للتفاهم، فإن حدثت مشكلة احتكمنا إليه وأدلى كل منّا بحججه فإمّا أقتنع وإمّا أقنع، وإمّا أصرّ وإمّا أعدل، ولكني بعد تجارب طويلة رأيت أن العقل أسخف وسيلة للتفاهم مع أكثر ما رأيت من السيدات؛ فأنت تتكلم في الشرق وهن يتكلمن في الغرب، وأنت تتكلم في السماء فيتكلمن في الأرض، وأنت تأتي بالحجج التي تعتقد أنها تقنع أي معاند، وتلزم أي مخاصم، فإذا هي ولا قيمة لها عندهن. تقول: إنّ الأوفق أن نتصرف في هذا الأمر بكذا لكذا من الأسباب، فترد عليك بأقوال متأثرة بعواطف ساذجة. وتقول: هذا التصرف لا يصلح لما يترتب عليه من أضرار تعينها؛ فترد عليك بأنّ العرف والعادة غير ذلك. وتعاقب ابنك لتؤدبه فتفسد العقوبة بتدخلها لمجرّد العطف الكاذب. وتتصرف التصرفات الحكيمة فتؤولها بنظراتها العاطفية تأويلات غريبة. وهكذا أدركت أنّ من الواجب ألا ألتزم المنطق، وأنّي إذا أردت الراحة والهدوء فلأضحّ بالمنطق أحياناً، وأتكلم الكلمة السخيفة إذا كان فيها الرضا، وألعب بالعواطف رغم المنطق إذا أردت السلامة.
أحمد أمين
حياتي
TAFATEFO
لي صديق اصطلحت عليه الأضداد، وائتلفت فيه المتناقضات سواء في ذلك خلقه وعلمه.

حييٌّ خجول يغشى المجلس فيتعثر في مشيته، ويضطرب في حركته، ويصادف أول مقعد فيرمي بنفسه فيه، ويجلس وقد لف الحياء رأسه، وغض الخجل طرفه، وتقدم له القهوة فترتعش يده وترتجف أعصابه، وقد يداري ذلك فيتظاهر أن ليس له فيها رغبة ولا به إليها حاجة، وقد يشعل لفافته فيحمله خجله أن ينفضها كل حين، وهي لا تحترق بهذا القدر كل حين. وقد يهرب من هذا كله فيتحدث إلى جليسه لينسى نفسه وخجله، ولكن سرعان ما تعاوده الفكرة فيعاوده الهرب، حتى يحين موعد الانصراف فيخرج كما دخل، ويتنفس الصعداء بعد أن أدركه الإعياء.


من أجل هذا أكره شئ عنده أن يشترك في عزاء أو هناء أو يُدعَى إلى وليمة أو يدعو إليها إلا أن يكون مع الخاصة من أصدقائه .. يحب العزلة لا كرهاً للناس ولكن هروباً بنفسه.


ثم هو مع هذا جرئ إلى الوقاحة، يخطب فلا يهاب، ويتكلم في مسألة علمية فلا ينضب ماؤه ولا يندى جبينه، ويعرض عليه الأمر في جمع حافل فيدلي برأيه في غير هيبة ولا وجل، وقد تبلغ به الجرأة أن يجرح حسهم، وينال من شعورهم، ويرسل نفسه على سجيتها فلا يتحفظ ولا يتحرز.


يحكم من يراه في حالته الأولى أنه أشد حياء من مخدرة، ومن يراه في الثانية أنه أجرأ من أسد وأصلب من صخر، ومن يراه فيهما أنه شجاع القلب، جبان الوجه.

وهو طموح قنوع، نابه خامل، تنزع نفسه إلى أسنى المراتب فيوفر على ذلك همه، ويجمع له نفسه، ويتحمل فيه أشق العناء وأكبر البلاء، وبيناً هو في جده وكده وحزمه وعزمه إذ طاف به طائف من التصوف، فاحتقر الدنيا وشئونها، والنعيم والبؤس، والشقاء والهناء، فهزئ به وسخر منه واستوطأ مهاد الخمول، ورضي من زمانه بما قسم له؛ وبيناً يأمل أن يكون أشهر من قمر، ومن نار على علم، إذا به يخجل يوم ينشر اسمه في صحيفة، ويذوب حين يشار إليه في حفل، ويردد مع الصوفية قولهم (ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم انتاجه)؛ يعجب من يعرفه، إذ يراه معرفة نكرة، محباً للشهرة والخمول معاً.


وأغرب ما فيه أنه متكبر يجاوز قدره ويعدو طوره، ومتواضع يخفض جناحه وتتضاءل نفسه، يتكبر حيث يصغر الكبراء، ويتصاغر حيث يكبر الصغراء. يتيه على العظماء ويجلس إلى الفقراء يؤاكلهم ويستذل لهم، لا تلين قناته لكبير، ويخزم أنفه للصغير.

يحب الناس جملة ويكرههم جملة، يدعوه الحب أن يندمج فيهم ويدعوه الكره أن يفر منهم. حار في أمره، وامتزج حبه بكرهه، فاستهان بهم في غير احتقار.


صحيح الجسم مريضه، ليس فيه موضع ضعف، ولكن كذلك ليس فيه موضع قوة..


ورأسه كأنه مخزن مهوّش أو دكان مبعثر وضع فيه الثوب الخلَق بجانب الحجر الكريم. يتلاقى فيه مذهب أهل السنة بمذهب النشوء والارتقاء، ومذهب الجبر بمذهب الاختيار، وتجتمع في مكتبته كتب خطية قديمة في موضوعات قديمة، وقد أكلتها الأرضًة ونسج الزمان عليها خيوطاً، وأحدث الكتب الأوروبية فكراً وطبعاً وتجليداً. ولكن من هذين ظل في عقله وأثر في رأسه.


إن طاف طائف الإلحاد بفكره لم تطاوعه طبيعته، وإن شك حيناً عقله آمن دائماً قلبه، ومن أصدقائه السكير والزاهد، والفاجر والعابد، وكلهم عن اختلاف مذاهبهم؛ يصفه بأنه يجيد الإصغاء كما يجيد البليغ الكلام.

أحمد أمين
حياتي
TAFATEFO
خير هبة يهبها الله للإنسان مزاج هادئ مطمئن، لا يعبأ كثيراً بالكوارث، ويتقبلها في ثبات، ويخلد إلى أن الدنيا ألم وسرور، ووجدان وفقدان، وموت وحياة، فهو يتناولها كما هي على حقيقتها من غير جزع، ثم صبر جميل على الشدائد يستقبل به الأحداث في جأش ثابت، فمن وهب هاتين الهبتين فقد منح أكبر أسباب السعادة.
أحمد أمين
حياتي
TAFATEFO
وأستعرض أحياناً أحوال من فقد بصره فأتأسى بها، وأقول أن المسألة ليست مسألة بصر، بمقدار ما هي مسألة نفس تتلقى الحادث. هذان مثلان بارزان: بشار بن برد وأبو العلاء المعري؛ فأما بشار فقد واجه فقد بصره في ثبات، وعاش كما يعيش ذوو الإبصار، يمزح ويضحك ويقول إنه إذا عدم العشق بالنظر فيعشق بالأذن، ويستمتع بالحياة المادية ويستغرق في الشهوات كأقصى ما يفعله بصير، وهو قوي جبار لا يمسه أحد بسوء إلا نكل به وانتقم منه، وهو عنيد فاجر، لا يأنف أن يصف في شعره كل الصور التي لا يستطيع وصفها إلا البصير، من غبار النقع وجمال العين ولطف القوام، فلا تكاد ترى في شعره أثراً من حزن على عين، أو بكاء على حرمان منظر.
وأما أبو العلاء فأصابته نفس الكارثة فحزن واسترسل في الحزن، فأعرض عن لذات الحياة الدنيا. وبكى نفسه وبكى الناس وبكى كلّ ما حوله وتحوّل هذا الحزن إلى سخط على الناس من الأصناف والألوان، من أمراء وقادة ورجال دين ونساء ووعاظ ومنجمين، فلم يسره شئ في الدنيا لأنه فقد السرور بالعين، وحبس نفسه في البيت إذ لم ير نفسه صالحاً لأن يظهر أمام الناس وهو فاقد العينين، بل أضاف إليه محبساً آخر وسمى نفسه رهين المحبسين: محبسه بفقد نظره ومحبسه في بيته؛ ومع ذلك كله ملأ الدنيا بأثره، فقد انطوى على نفسه يستخرج منها كنوزاً من معارفه وتأملاته وتفكيراته، فاستضاءت بصيرته بأكثر مما كان يضئ نظره، وتألم هو فلذّ الناس، وفقد البصر فبصّر الناس، وكانت حياته نفعاً جمّاً في الإملاء والتأليف والتعليم والتفكير الحر الطليق لها لم يستطعه بصير.
أحمد أمين
حياتي
TAFATEFO
وأكره من الأدباء أرستقراطيتهم، فلا يكتبون إلا للخاصة ولا يتفننون إلا لهم. وواجب الأدباء أن يوصلوا غذاءهم إلى كل عقل، ونتاجهم الفني إلى كل أذن، فإذا لم يفعلوا فقد قصروا. وقد لفت نظري لهذا مرة أن حضر إلى مصر رجل كبير من مسلمي الصين، فتقابلنا مراراً وتحدثنا كثيراً، وفي مرة عرّفته بالأستاذ توفيق الحكيم، وقلت له إنه أديب كبير، فسألني: هل هو أديب شعبي أو أديب أرستقراطي؟ فرنّ السؤال في رأسي، فلما قلت له هو أديب أرستقراطي، سألني فمن من أدبائكم شعبي؟ فحرت جواباً، وآلم نفسي ألا يكون لجمهور الشعب أديب.
أحمد أمين
حياتي
TAFATEFO
ميزة الجامعة عن المدرسة هي البحث، فالمدرسة تعلّم ما في الكتب والجامعة تقرأ الكتب لتستخرج منها جديداً، والمدرسة تعلّم آخر ما وصل إليه العلم والجامعة تحاول أن تكتشف المجهول من العلم، فهي تنقد ما وصل إليه العلم وتعدله وتحل جديدا محل قديم، وتهدم رأياً وتبني مكانه رأياً، وهكذا؛ هذه وظيفتها الأولى والأخيرة، فإن لم تقم بها كانت مدرسة لا جامعة.
أحمد أمين
حياتي
أستاذي المرحوم بإذن الله .. أعلم أنك حين التحقت بالجامعة مدرساً وعرفت وفهمت ذلك؛ كان العام 1926 .. وأنك حين كتبت هذا كان العام 1950. وإني أعلمكم سيدي الفاضل أنه بعد أن دار الزمان وانقلب عداد السنين وجاوز الألفين .. لم تعد هناك مدرسة ولا جامعة. هذا فقط للعلم، ولن أعكر صفو مرقدكم بحال المدرسة والجامعة في زماننا هذا ...
TAFATEFO
وهذا الخلاف بين السنية والشيعة في العراق جرّ عليه كثيراً من المصائب والمحن - وبذل جهود ضاعت فيما لا يفيد، لو صرفت في خير الأمة وتقدمها - بقطع النظر عن سني وشيعي - لعادت على أهلها بالخير العميم ولئن كانت الخصومة بين أصحالب عليً وأصحاب معاوية معقولة في زمنهما أو بعد زمنهما بقليل، فلم تعد معقولة الآن، إذ ليس هناك اليوم نزاع على خلافة ولا إمامة، وإنما هو نزاع على أيهم أفضل أبو بكر و عمر أم عليً؟ وهذه لا يبت فيها إلا الله، ومن السخافة أن نضيع أوقاتنا في مثل هذا الكلام، وكل العقلاء متفقون على أن كلاً من الثلاثة رجل له فضله ومزاياه، والله وحده هو الذي يتولى مكافأتهم على أعمالهم، ويزنهم بالميزان الصحيح ويقدرهم التقدير الحق، وما عدا ذلك فالخلاف بين الشيعة والسنية كالخلاف بين حنفي وشافعي ومالكي لا يستدعي شيئا من الخصومة؛ ولكن أفسد الناس ضيق العقل وعواطف العامة ومصالح بعض رجال الدين وصبغ المسائل السياسية بالصبغة الدينية.
أحمد أمين
حياتي
TAFATEFO


ودعينا نحن الأربعة لمقابلة الرئيس المشرف على التعليم في الجمعية الخيرية الإسلامية وهو حسن باشا عاصم، وعلمت فيما بعد أنه رجل من عظماء مصر اشتهر بمتانة الخلق والحزم والتشدد في الحق والتزام العدل مهما كانت الظروف، كان رئيساً للقلم العربي في السراي أيام الخديوِ عباس فأراد الخديوِ أن يستبدل أطيانا يملكها بأطيان للوقف، فوقف هو والشيخ محمد عبده في ذلك، إذ كانا عضوين في مجلس الأوقاف الأعلى، وقالا إن في هذا الاستبدال غبنا على الأوقاف، فأخرجه الخديوٍ من وظيفته، فتبرع حسن باشا عاصم بالإشراف على التعليم في الجمعية الخيرية، ويقضي في ذلك أكثر أوقاته، فيرقى التعليم ويشترك في وضع المناهج ويطبق العدل في شدة، حتى لقد حدث مرة أن تبرع أحد أعيان المحلة الكبرى بأرض لبناء مدرسة الجمعية ونفقات بنائها ووقف عليها من أملاكه، ثم أراد أن يدخل ابنه في المدرسة، وكانت سنه تزيد شهراً عن السن المقررة، فأبى عاصم باشا قبوله قائلاً:
لقد تبرع هذا الرجل للجمعية فوجب شكره، ولكنه أراد أن يخرق قوانينا فوجب صدّه؛
وأصر على إبائه على الرغم من إلحاح رجالات الجمعية مثل الشيخ محمد عبده و حسن باشا عبدالرازق في قبوله، فلما ألحوا عليه قدم إستقالته فاضطروا للنزول على رأيه.

وهكذا كان يسير على هذا النمط فيما يعهد إليه من أعمال، وهو نمط من الناس غريب في الشرق المملوء بالمجاملات وقبول الرجاء مهما خالف العدل وخالف القانون. وكان من حسن الحظ أن رأيته بعد ذلك عضواً في مجلس إدارة مدرسة القضاء، وعلمت أنه نشر العدل في المدرسة، وعلمه بقية الأعضاء.
وقفنا في قبة الغوري ننتظره فطلع علينا رجل مهيب يملأ القلب أكثر مما يملأ العين، له وجه أسمر وسحنة صعيدية أسيوطية وعينان نفاذتان، وجسم صغير .....
أحمد أمين
(حياتي)

TAFATEFO
وكان مستنير الذهن لم يعبأ بما يقوله شيوخ الأزهر في الشيخ محمد عبده من رمي بالزندقة والإلحاد، فكان يحضر دروسه في تفسير القرآن ويسمع منه كتاب دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وكثيراً ما ألحّ عليّ أن أحضر دروس الشيخ معه فآبى، استصغاراً لعقلي مع عظم دروسه، ولأن ذلك يضطرني أن أبقى في الأزهر إلى ما بعد العشاء، إذ كانت دروس الشيخ تبتدئ بعد صلاة المغرب وتستمر إلى أذان العشاء، وأخيراً تغلب عليّ وشوقني إلى دروسه بما كان ينقل إليّ من آرائه، فحضرت درسين اثنين، فسمعت صوتاً جميلاً ورأيت منه منظراً جليلاً، وفهمت منه ما لم أفهم من شيوخي الأزهريين، وندمت على ما فاتني من التلمذة عليه، واعتزمت أن أتابع دروسه، ولكن كان هذان الدرسان هما آخر دروسه رحمه الله.

وكانت دروسه مملوءة بالفكاهات الظريفة. فمرة مثلا دخلت في الدرس فتاة صغيرة تريد أن تسرّ إلى أبيها كلاماً فجلست بجانبه. وكانت هذه الأيام أيام حركة قاسم أمين، فقال الشيخ: إن هذه هي المرأة الحديدية. إذ كان قاسم أمين ألف كتاباً أسماه << المرأة الحديدية >>، ومرة حضرت درساً للشيخ ولم أفهم بعض العبارات، وسألت صاحبي عنها فلم يفهمها فاتفقنا على أن نكتب له خطاباً، وكانت هذه عادة جارية، واخترنا أن نمضي الخطاب بحرف من اسمي وهو الميم وحرف من اسم صاحبي وهو الراء، فجاء الشيخ بعد أن استلم الخطاب وقال: جاءني خطاب من شيخ اسمه مٌرْ أو مرٍ ولم يفهم، ثم أخذ يشرح ما غمض علينا في أدب ووضوح. وكان دائما يلخص لنا ما ورد إليه من خطابات هامة. وأذكر أنه أتاه خطاب يهدده بالقتل لأنه كافر ملحد، وبعد أن قص علينا القصة قال:
لتمنيت أن يكون هذا صحيحاً، فيوم يشجع المصري ويقتلني، أكون فخوراً،
ثم أنشد قول القائل:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
أبشر بطول سلامة يا مربع
أحمد أمين
(حياتي)