على كل حال الخراب مش جديد على الدنيا .. لكن إذا كانت هتخرب، يبقى أحسن تخرب بسرعة .. ليه؟ .. لأن خير البر عاجله.
وليس الخراب بالشيء الجديد على العالم، فإن يكن مكتوباً على الجبين فمن الخير أن يعجل..
على كل حال الخراب مش جديد على الدنيا .. لكن إذا كانت هتخرب، يبقى أحسن تخرب بسرعة .. ليه؟ .. لأن خير البر عاجله.
وليس الخراب بالشيء الجديد على العالم، فإن يكن مكتوباً على الجبين فمن الخير أن يعجل..
وفي ميدان المحطة جماهير تجري في كل اتجاه. الغضب يشتعل في الوجوه واللعنات تنصب على الإنجليز. الجو بارد والسماء متوارية خلف سحاب متجهم والهواء ساكن لا حياة فيه. الدكاكين مغلقة كالحداد وعند الآفاق تصاعد دخان كثيف ..
وواصل تقدمه الحذر البطئ وهو يتفحص ما حوله. وتساءل في دهش :
ومضى يقترب من قلب المدينة في ذهول تام. صمم على أن يطلع على كل شئ. إنه مسئول، ومهما يكن من ثانوية مركزه نسبياً فهو مسئول، ويجب أن يرى كل شئ بعينه. الضوضاء فوق كل احتمال كأن كل ذرة في الأرض تصرخ. اللهيب ينطلق من كل موقع. إنه يرقص في النوافذ، يقعقع في الأسقف، يصفر في الجدران، يطير في الجو والدخان يتربع مكان السماء.
جدران تنفجر مفجرة رعداً. الغضب المكتوم، اليأس المضغوط، الضيق المتكتل، كل أولئك حطم القمقم وانطلق كزوبعة من الشياطين. وقال لنفسه إن أشياء كثيرة يجب أن تحرق ولكن ليست القاهرة. أنتم لا تدرون ماذا تفعلون. إن فرقة كاملة من الإنجليز لتعجز عن إحداث عُشر هذا الخراب، انتهت معركة القنال. خسرنا المعركة. قلبي المجرب بالمحن لا يكذب. الحكومة بلا جنود والنار تجري بلا عقبة. هل تلتهم النيران المدينة الكبرى؟. هل يمسي ثلاثة ملايين من البشر بلا مأوى؟. هل ينعق الخراب والمرض والفوضى ويرجع الجيش البريطاني ليعيد الأمن إلى نصابه؟. هل ينسى الناس في محنة الخراب الاستقلال والوطنية والآمال العريضة!. إن القلق يدب في جذور قلبه كالنمل وتسوَدّ الدنيا في عينيه اللتين زايلهما الطموح والمجد.
وعند الأركان في الشوارع الرئيسية لبد رجال يحرضون:السمّان والخريف
نجيب محفوظ
مأوى المهاجرين من الكفر مثل طوق نجاة في البحر العاصف. يستقبلني شيخ القبيلة المهاجرة قائلا:
- ابن جديد، أهلا بك في أسرتك.
فألثم يده وأقول :
- شكرا لك يا عمي
ووجدت مقعدي في المعهد ينتظر أيضا. وكنت عند حسن الظن فتوجت الرحلة بالنجاح. وألحقت بالعمل في مصلحة المساحة وأنا أقول (( من جد وجد )). ومن العمل تسللت إلى المقاهي والأصحاب ولكن بحذر المتقشفين. وراودتني أحلام القلوب الصائمة. وفي مأوانا ورود متفتحة. ودارت العجلة بالإصباح و الأصائل و الأماسي. وحدث شئ مألوف، حلم عابر يذكر أو يغفل. ولكن يبدو أنه ومض في عيني ومضة لم تغب عن بصر شيخنا الثاقب. فقال لي وهو متربع على أريكته يناجي حبات مسبحته :
- في نفسك شئ يدور.
فقلت باسما :
- جاءني في المنام شخص وحذرني من النسيان ..
فتفكر مليا ثم قال باسما أيضا :
- إنه يذكرك بالشباب !
وفطنت إلى ما يلمح إليه. وفي مهجرنا لا تحول الصعاب بين المرء وبين ما يشتهي قلبه. قبيلة متآخية متراحمة. والحجرة تتسع لزوجين بمثل ما تتسع لفرد. والعروس جاهزة منتظرة وثمة تسهيلات جمة ومساعدات ميسرة.
ويقول الشيخ :
لنلتزم بالسنة الشريفة، وعلى بركة الله.
وتطلى الحجرة، وتؤثث بالجديد المناسب، وتستقبل عروسين في تلك المدينة الهائلة التي لا تبالي بأحد. والحياة في مهجرنا تقوم على التضامن، وتتفتق عن حيل كثيرة للتغلب على عسرة الأيام. وأقول لنفسي وأنا في غاية السعادة :
- طريقنا عبدته أقدام أسلاف كرام.
وانهمكت في الحب والزواج والأبوة والعمل. وجعلت أقول للشيخ:
- الفضل لله ولك.
فيقول بامتنان :
- بيتنا مثل سفينة نوح في هذا الطوفان الذي يحدق بنا.
فقلت له :
- عمي، الناس تحسدنا وتغبطنا ..
- ويزداد ذلك كلما أمعنا في الزمن.
وانتبهت ذات ليلة على الحلم يعود من جديد. ويحذرني ذلك الرجل من النسيان. رأيته كما رأيته في المرة الأولى أو هكذا خيل إلي. الرجل هو الرجل والكلام هو الكلام. واستمع الشيخ إلي باهتمام ثم قال :
- عودتنا أن تحلم بهواجسك.
فقلت :
- قلبي مطمئن وخال من الهواجس.
- حقا ؟! ألا تفكر في مستقبل أسرتك ؟
فقلت كالمحتج :
- سعيد في هذا الزمان من يستعد ليومه.
- وماذا تفعل غدا إذا ألحت عليك المطالب؟
فلذت بالصمت في كآبة، فقال :
- افعل كما يفعل كثيرون؛ استعن بعمل إضافي ..
ويسر لي بنفوذه التدريب في مركز سباكة. وبرعت في ذلك براعة محمودة. ورحت أستثمر خبرتي الجديدة مساء بعد فراغي من عملي الرسمي. وتوفرت أرباحي فتراكمت مدخراتي. وتابع الشيخ نجاحي بارتياح وهو يقول :
- هذا خير من الانحراف، وزماننا يطالبنا أن نكون كالقطط بسبعة أرواح.
ودب في أوصالي نشاط باهر، وانتشيت بحب الحياة وتغافلت عن فوضاها الضاربة في كل موضع. وأغراني ذلك باكتراء شقة غرمت فيها خلوا لا يستهان به. وودعني عمي في شئ من الفتور وهو يقول:
- هكذا تجري الأمور.
وآمنت بأنه لا طمأنينة لحي بغير العمل والمال، وبأن أسعد ما نناله في دنيانا مستقبل مأمون. وحافظت على اعتدالي بقدر الإمكان فلم يجد جديد في حياتي سوى التدخين واللحوم الدسمة والحلوى الشرقية. وتخرج أبنائي وبناتي في مدارس اللغات. وأقبل مع الأيام كل شئ حسن. وفي غمرة حياتي العذبة انتبهت ذات ليلة على الحلم يعود للمرة الثالثة، ويحذرني الرجل من النسيان كعادته. رأيته كما رأيته في المرتين السابقتين أو هكذا خيل إلي. الرجل هو الرجل والكلام هو الكلام. وعجبت ولم أفلح في الاستخفاف به. ولم يكن الشيخ قريبا لأحاوره. وكنت قد انقطعت عنه فترة غير قصيرة لانهماكي في العمل فكرهت أن أزوره زيارة غير بريئة لمنفعة. وساورني قلق تسلل لسلوكي فعانت منه زوجتي، وقالت لي :
- خير من ربنا وشر من أنفسنا !
فقلت باستهانة :
- ما هو إلا حلم على أي حال ..
فقالت مصدقة :
- ولا أراك تنسى شيئا ..
ولكني لم أستطع التملص من قبضة الحلم العجيب. ظل يطاردني ويشغل بالي. وتحت تأثيره اندفعت من الطوار إلى الطريق لأعبره دون انتباه لحركة المرور. فجأة وبلا انتباه. وانقضت علي سيارة من قريب فلم تستطع أن تتحاماني أو تفرمل قبل أن تصدمني وتطيح بي كالكرة. فقدت الوعي تماما حتى استيقظت في المستشفى على حال لا يرجى معها أمل.
* * *
ومن منطلق العبرة والأسى يحدثنا الشيخ فيقول :
- نقل إلى المستشفى تظله سحابة الموت السوداء، فأجريت له جراحة خطيرة، وثبت من التحقيق وشهادة الشهود بأنه اندفع على الطريق فجأة وكأنما يقصد الانتحار، وبأن لا مؤاخذة البتة على السائق، وجلست جنب فراشه وقد علمت بأنه لا أمل في نجاته، وزارنا صاحب السيارة مواسيا ومتطوعا لمد يد المساعدة، فمكث قليلا ثم ذهب. وتحرك جفنا ابن أخي وتجلت ومضة ضعيفة في عينيه فأدنيت أذني من فيه.
وسمعته يهمس:
- إنه الرجل، هو هو صاحب الحلم ...
وكانت آخر كلمات ندت عن شفتيه ...
نجيب محفوظ
من قصة " النسيان " من مجموعة " التنظيم السري "

..وجعل رئيسنا (ج) يقول لنا كلما اجتمعنا :
- حقا إنكم لرجال !
أو يقول :
- سيرحل الشر عما قليل فقد يأس من الأرض.
وكان ذا حلم يشجع على المناقشة فقلت له ذات مرة :
- أما آن لي أن ألقى الرئيس؟
فقطب في غير غضب وسألني في عتاب :
- أيداخلك شك في عدالة تقديري؟
فقلت بسرعة وصدق :
- معاذ الله يا سيدي.
- ألا يكفيك ما أنت في شغل به؟
فقلت بتوسل :
- أصبحت يا سيدي وكأنني من مجانين العشق.
فضحك ضحكة خفيفة وقال :
- من يدري؟ لعلك رأيته وأنت لا تدري.
فرمقته بذهول غير مصدق .. فقال :
- إنه - على مدى علمي - لا يعيش في برج عاجي، ولكنه يمارس حياته بين الناس، وربما غشى الأماكن التي تجوبها للعمل أو الراحة ..
فقلت منكرا :
- لو لمحته للفت نظري بقوة شخصيته.
فقال باسما :
- ما أكثر الأشياء الجديرة بجذب الأنظار لولا انغماسنا في الأمور العابرة ..
رددت قوله على مسمع قلبي طويلا، وكدت أشغل به عن كل شئ .......
نجيب محفوظ
قصة "التنظيم السري " من مجموعة " التنظيم السري "

........ ولن أنسى ما حييت قول ملك في ساعة تجل:
- لو تقدم لي أمير لرفضته، ليس لي سواك ..
تبدت لي صادقة راسخة أقوى من أي حقيقة في الوجود. كان حبا صادقا عظيما ويا للخسارة. وقد أحرز انتصاره في يوم بهيج لا ينسى. فمن نافذة سكنها رأتني وأنا أتبادل الإشارات مع بثينة.
وعند أول زيارة لنا مع أمها اقتحمت حجرتي ثم سألتني في حياء:
- هل أهنئ؟
فسألت بدوري في دهشة:
- على ماذا؟
- بثينة ؟!
خجلت. نظرت إليها طويلا وهي تحدق في بشجاعة وإصرار. ما أجملها وهي تطوي غيرتها في قبضة كبريائها.
وتمتمت في صدق وسعادة:
- لا أحد سواك يا ملك.
فرفعت صوتها لتسمع من في الخارج:
- أعرني كتابا من كتبك.
- قرأت مجدولين؟
- نعم.
- إليك آلام فرتر.
فقالت باسمة :
- هاتها.
منذ تلك اللحظة بدأت أنفض عن وجداني فتنة الأخريات.
نجيب محفوظ
قصة " أسعد الله مساءك" من مجموعة " صباح الورد"

من نافذة صغيرة عالية قبيل القبو يلوح أحيانا وجه أبيض كالقمر، أراه من موقعي في نافذة بيتنا الصغير المطلة على الحارة فأهيم رغم طفولتي في سحر جماله، وقد أسمع صوته الرخيم وهو يبادل أمي التحية إذا خلت الحارة من المارة فلعله بث في روحي حب الغناء، فاطمة العمري، حلم الطفولة المجهول، وموعد اللقاء النافذة، وإذا توارت يوما فإنما لتلقنني الألم قبل أوانه. وكلما غابت حدجت أمي بنظرة عتاب كأنما هي المسئولة عن غيابها فتضحك طويلا وتحكي لأم أحمد عن العاشق الصغير فتتلقف الخبر لتزفه إلى فاطمة ثم ترجع إلينا برسالة سعيدة أن أشد حيلي وأنها ستنتظر عريس الهنا مهما يطل الانتظار. ثم تقول:
نجيب محفوظ
قصة "أم أحمد" من مجموعة "صباح الورد"