‏إظهار الرسائل ذات التسميات المنفلوطي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المنفلوطي. إظهار كافة الرسائل
TAFATEFO
ها هم الناس قد عادوا إلى ما كانوا عليه، وها هي الأرض قد ملئت شروراً وفساداً، حتى لم يبق فيها بقعة طاهرة، يستطيع أن يأوي إليها ملك من أملاك السماء.

ها هم الأقوياء قد ازدادوا قوة، والضعفاء قد ازدادوا ضعفاً، وها هي لحوم الفقراء تنحدر في بطون الأغنياء انحداراً، فلا الأولون بمستمسكين، ولا الآخرون بقانعين.

ها هم الفقراء يموتون جوعاً، فلا يجدون من يحسن إليهم. والمنكوبون يموتون كمداً؛ فلا يجدون من يعينهم على همومهم وأحزانهم.

ها هم الأمراء قد خانوا عهد الله وخفروا ذمامه؛ فأغمدوا السيوف التي وضعها الله في أيديهم لإقامة العدل والحق، وتقلدوا سيوفاً غيرها، لا هي إلى الشريعة، ولا إلى الطبيعة، ومشوا بها يفتتحون لأنفسهم طريق شهواتهم ولذائذهم حتى ينالوا منها ما يريدون.

ها هم القضاة قد طمعوا وظلموا، ووضعوا القانون ترساً أمام أعينهم يصيبون من ورائه، ولا يصابون، وينالون من يشاؤون تحت حمايته، ولا يُنالون.

ها هم زعماء الدين قد أصبحوا زعماء الدنيا، فحوّلوا معابدهم إلى مغاور لصوص يجمعون فيها ما يسرقون من أموال العباد، ثم يضنّون بالقليل منه على الفقراء والمساكين.

ها هم الناس جميعاً قد أصبحوا أعواناً للأمراء على شهواتهم، والقضاة على ظلمهم، وزعماء الأديان على لصوصيتهم، فلتسقط عليهم جميعاً نقمة الله ملوكاً ومملوكين ورؤساء ومرؤوسين.

لتسقط العروش، ولتهدم المعابد، ولتتقوض المحاكم، وليعم الخراب المدن والأمصار، والسهول والأوعار، والنجاد والأغوار، ولتغرق الأرض في بحر من الدماء يهلك فيه الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، والأخيار والأشرار، والمجرمون والأبرياء، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
المنفلوطي
"العقاب"
TAFATEFO

عباد الله، من يدلني على ولدي، أو ينشده لي في معالم الأرض ومجاهلها؛ فقد أضللته منذ عهد بعيد، فحار بي الدهر من بعده، فلا أنا سالية عنه ولا واجدة إليه سبيلاً، فاحتسبوها يدًا عند الله وحدثوني عنه هل عاد معكم، أو تخلف عنكم ليأتي على إثركم، أو انقطع الدهر به فلا أمل فيه بعد اليوم؟

في أي بطن من بطون الأرض مضجعك يا بنيّ، وتحت أي نجم من نجوم السماء مصرعك، وفي أي قاع من قيعان البحر مثواك، وفي أي جوف من أجواف الوحوش الضارية مأواك؟

لو يعلم الطير الذي مزق جثتك، أو الوحش الذي ولغ دمك، أو القبر الذي ضمك إلى أحشائه، أو البحر الذي طواك في جوفه، أنّ وراءك أمّاً مسكينة تبكي عليك من بعدك لرحموك من أجلي.

عد إليّ يا بني فقيراً أو مقعداً أو كفيفاً؛ فحسبي منك أن أراك بجانبي في الساعة التي أفارق فيها هذه الحياة؛ لأقبلك قبلة الوداع وأعهد إليك بزيارة مضجعي مطلع كل شمس ومغربها لتخف بزورتك عني ضمة القبر، وتستنير بوجهك الوضاء ظلماته الحالكة!

ما أسعد الأمهات اللواتي يسبقن أولادهن إلى القبور، وما أشقى الأمهات اللواتي يسبقهن أولادهن إليها، وأشقى منهن تلك الأم المسكينة التي تدب إلى الموت دبيباً وهي لا تعلم: هل تركت ولدها وراءها، أو أنها ستجده أمامها؟
المنفلوطي
" الشهداء "
TAFATEFO
اللهم إنك تعلم أني غريب في هذه الدنيا لا سند لي فيها ولا عضد، وأني فقير لا أملك من متاع الحياة ما أعود به على نفسي، وأني عاجز مستضعف لا أعرف السبيل إلى باب من أبواب الرزق بوجه ولا حيلة، وأن الضربة التي أصابت قلبي قد سحقته سحقاً فلم يبق فيه حتى الذّماء. وإني أستحييك أن أمد يدي إلى هذه النفس التي أودعتها بيدك بين جنبي فأنتزعها من مكانها وألقي بها في وجهك ساخطاً ناقماً، فتول أنت أمرها بيدك، واسترد وديعتك إليك، وانقلها إلى دار كرامتك، فنعم الدار دارك، ونعم الجوار جوارك.
المنفلوطي
"اليتيم"