‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف السباعي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف السباعي. إظهار كافة الرسائل
TAFATEFO

زعموا أنه كانت توجد بقعة نائية خالية، لا يكاد يبدو فيها أثر للحياة، ولا يكاد يسمع فيها سوى شدو بلبل أو تغريد عصفور.

هبت على تلك البقعة ريح خفيفة أخذت تعبث بأوراق الشجر، ثم اشتدت الريح رويداً وحملت في طياتها همساً ما زال يشتد حتى أضحى جدلاً صاخباً، وحواراً عنيفاً بين ثلاث قوى تتنازع الحكم وتزعم لنفسها السلطان.

هتفت إحداها بصوت حلو رنان:
- أي سلطان في هذه الحياة لغيري، من الذي أذل الأعناق واسترق النفوس سوى سلطان المال، من الذي ملك على اإنسان عقله وسلبه رشده، من الذي تحكم فيه فحركه كما يشاء، من الذي عبده الإنسان من دون الله؟

وأجاب صوت ساحر نفّاذ يصل إلى أعماق النفوس:
- أنا الذي ملكت على الإنسان نفسه، أنا الذي أضاع الإنسان عمره في البحث عنه، سل أي امرئ عن الشهرة، يجبك أنها أمتع شئ في هذه الحياة، سل أي امرئ عن اللذة التي يشعر بها عندما يشير إليه الناس ويهمسون: "هذا هو الرجل العظيم"، وخيره بين شهرته وبين أن تهبه مال قارون، تجده يضرب بسلطان المال عرض الحائط، ويقبض على الشهرة بالنواجذ.

- يا للغباء ! إن صاحب المال لا يعجز عن ابتياع الشهرة.

- قد يستطيع ابتياع الشهرة الكاذبة الزائفة، أما الشهرة الحقة، فهي هبة أغدقها على من يروقني تمييزهم عن غيرهم من الناس.

وهنا قال صوت ثالث، يفيض بالرقة والعذوبة كأنه لحن يطرب النفوس ويهز القلوب:
- يا للحمق والغرور ! تتحثان عن سلطانكما، وهو ذرة في سلطاني، ألم تسمعا الإنسان يقول: "الحياة الحب والحب الحياة"، أسمعتماه مرة يقول إن الحياة هي المال أو الحياة هي الشهرة؟ سلا أي امرئ عن من غيّر الكون في عينيه فجعله ناضراً مزدهراً، سلاه عمن ملأه بالقوة والأمل، وعمن أضاء له سبيل الحياة بعد ظلمة حالكة، سلاه عن سلطان الحب، وهل ينتصر في هذه الدنيا سواه؟

واحتدمت المناقشة واشتد الجدل، واختلطت الأصوات حتى لم يعد المرء يميز فيها سوى خليط من الصيحات والصرخات، وأخيراً سمع صوت سلطان الحب وهو يهتف:
- إني أتحداكما، وأقبل النزال، ليس فقط مع أحدكما، بل مع كليكما، لتتحدا سوياً ولتأتلفا معاً، فتكونا حليفين، وأنا زعيم بأن أبرهن لكما على أن سلطانكما الذي تدعيانه هباء في هباء.

وتحالف سلطان المال وسلطان الشهرة، وقبلا ذلك التحدي من سلطان الحب، واتفق الفريقان على أن يحشد كل منهما قواه ويشحذ أسلحته، على أن يكون اللقاء في ميدان للقتال تم الاتفاق عليه.

* * *

نحن الآن في ميدان القتال، وهو ليس بنجاد ولا وهاد، ولا حقول ولا صحراء، بل هو مخلوق آدمي اختارته القوى الثلاث ليكون مظهراً لقدرتها ومقياساً لسلطانها، والرابح من الفريقين من استطاع السيطرة عليه والتحكم فيه وطرد الفريق الآخر من قرارة نفسه فاشلاً مخذولاً.

وكان ميدان القتال فتى في مقتبل العمر، مليء النفس بالأمل. ولكن تصاريف الحياة كدته وأوهنت قواه، وتركته حائراً مغموراً.

استلقى الفتى على فراشه خاوي البطن والذهن والفؤاد، ونظر من خلال النافذة إلى النجوم التي تلمع في ظلمة السماء، وسأل نفسه عما يأمل في هذه الحياة .. وأي خير يرجوه منها إذا استمر هذا الجوع، جوع القلب وجوع النفس !.

لقد كان أشد ما يؤلمه أن يرى نفسه مهملاً في ميدان الحب، فما من فتاة أقبلت عليه مرة، وما من فتاة أنعمت عليه بابتسامة، فكلهن ينفرن منه ويتجنبنه ويعاملنه بالغلظة والقساوة.

ترى هل ذلك لعجزه عن استمالتهن، أم أن السبب قلة ماله، أو قلة وسامته؟

* * *

وعصف اليأس بنفس الفتى، وفاض به الشجن، فقد كان فشله في اجتذاب الجنس الآخر يوهن من نفسه، ويحط من قوته.

وخيل إليه فجأة أن النافذة تحمل إليه صوتاً يسري مع النسيم، فأنصت، فإذا الصوت يهتف به:
- أيها التافه الأحمق، ماذا يخيفك منهمن وماذا يفزعك، وهن أحقر من أن يجلبن الوجيعة والألم ! أخرجهن من قلبك، فمكانهن تحت القدم، لا داخل القلب، أقبل على نفسك، فهي أحق منهن بالإقبال، إياك وما يسمونه الحب، فهو بريق زائف وسراب خلب، لا تجر وراء أوهام كاذبة وأحلام تمحوها اليقظة، سر في الحياة بلا قلب، فما اتفق القلب والعقل قط، واقتل ما في نفسك من شعور وإحساس فإنها سوس ينخر عظامك، وجراثيم تفتك بجسدك، ولو برأت منها لاستطعت أن تمسك الدنيا كلها بين يديك، ولأصبحت خير الرجال في هذه الأرض.

* * *

ومنذ ذلك اليوم والفتى تغير وتبدل، وغاضت من نفسه الرقة ونضب الشعور، وأضحى يقابل جفاء النساء بجفاء مثله وأشد، وأغمض عينيه عن كل ما فيهن من إغراء وفتنة .. وبدأ يسير في الحياة وهو مغلق القلب جامد الحس .. وأخذت تلك القوة الكامنة في قلبه تتسرب إلى رأسه .. وتحول جهاده في الحب إلى جهاد في سبيل المال والشهرة.

لقد خيل إليه أن به نقصاً يصرف ربات الجمال عنه، فصمم على أن يكون شيئاً في هذه الحياة .. أو لا يكون قط.

* * *

ودهش الناس لما أصاب الفتى .. فقد بدأ الحظ يبتسم له .. وبدا لهم منه نبوغ وعبقرية .. ومرت الأيام فإذا الفتى المغمور قد أضحى نجماً ساطعاً .. وإذا به صاحب منصب خطير ومال وفير.

واشتهر الفتى بشدة كرهه للنساء ونفوره منهن .. فقد كان يحذرهن كما يحذر السليم الأجرب .. ويتجنبهن كما يتجنب المرء أفعى ذات سم زعاف.

* * *

وهبت الريح في البقعة النائية .. فحملت ضوت سلطاني المال والشهرة وفيه نشوة الانتصار، وقال أولهما للآخر:
- يا لسلطان الحب الأحمق المغرور! أية هزيمة منكرة تلك التي حاقت به .. لقد انهارت سطوته وزال ملكه .. وعرف الإنسان أنه مخادع محتال .. واكتشف أن نعيمه زيف وبريقه خداع ..

وفي تلك اللحظة كان الفتى يقف وعلى وجهه عبوس وفي نظراته جد وقسوة .. وقد ركعت أمامه فتاة بالية الثياب رثة المنظر، بدت في وجهها صفرة مرض وبؤس وفاقة وقد أخذ جسدها يهتز من فرط البكاء وهي تصيح:
- إني لم أجرم ولم أسرق .. إنني أريد أن أعيش .. أريد ما أسد به رمقي.

ولم يلن وجه الفتى ولم تبد عليه بادرة شفقة أو رحمة، بل أشار بيده إلى بعض الخدم فأبعدوها عن أقدامه .. وزج بها في السجن فقد كانت سارقة أثيمة.

وخلا الفتى إلى نفسه فأحس بخلجة في قلبه .. فقد بدأ يتحرك بعد طول سكون .. كان فظاً قاسياً على الفتاة المسكينة فلم يرحم ضعفها وبؤسها .. لقد صمم على أن يعرض عن النساء وقسو عليهن .. ولكن هذه ليست امرأة .. إنها هيكل بائس محطم .. دفعه بقية أمل في الحياة إلى أن يسرق ليسد رمقه .. لشد ما أخطا فيما فعل .. لقد كان جامد الحس والقلب والعقل !!

ولم ينم الفتى ليلته .. واشتد به وخز الضمير .. وذهب عنه ذلك الجحود والقسوة .. وعاد إليه قديم رقته.

وكان أول ما فعله أن راح يزور الفتاة في سجنها خفية .. ليخفف من لوعتها ويرفه عنها .. وتكررت زيارته لها .. إذ تبين فيها نفساً رقيقة .. شديدة الصفاء .. وتبين أكثر من ذلك أن بالفتاة فتنة أخفتها الفاقة .. وسحراً حجبه البؤس المضني.

ومرت الأيام فإذا بالفتى الحذر قد كلف بالفتاة وأحبها.

واستمر بعد ذلك يزورها في بيت أبقاها فيه تحت جنح الظلام .. حتى ملّ أخيراً ذلك التستر .. وعزم على أن يرفعها حيث هو .. وقرر الزواج منها .. ضارباً بأقوال الناس عرض الحائط.

وأخذت المرأة بمظاهر النعمة والرفاهة، وأغراها الجاه والمال .. فإذا بها تصنع بالفتى ما صنعت الأفعى بالرجل الذي حملها من البرد القاتل فأدفأها في داره .. فما أن أحست بالدفء وانتعشت؛ حتى كان الرجل أول من لدغته .. أجل لقد أحست المرأة بالدفء فكشرت عن أنيابها للفتى .. تبعثر ماله .. وتلوث سمعته .. وهو غارق في حبها.

وبدأت الدنيا تدبر عنه .. فنفذ ماله .. وقل خطره .. وساءت سمعته .. وأخذ يعود كما كان مغموراً منسياً وهو قانع من كل هذا بحبه وهواه .. حتى كان ذات يوم أنزلت به ضربتها الأخيرة.

وكانت الصدمة قاسية أصيب منها بالذهول .. فهام على وجهه بعد أن فقد ماله وشهرته وحبه .. وانتهى به الأمر إلى أن جاع فسرق ليسد رمقه -كما فعلت الفتاة- وألقي به في السجن.

وصهر السجن نفس الفتى فبدأ يعود إلى وعيه .. وأدرك أن ضعفه هو الذي ألقى به إلى التهلكة .. فعزم على أن يعود إلى سابق قسوته وجموده .. وأن يحاول الخوض في معركة الحياة، فلعله بالغ مرة أخرى ما كان قد بلغ.

وأطلق سراحه في صباح يوم مشرق وخرج إلى الطريق يرسم في رأسه خططه المقبلة .. ولكنه رأى ما أذهله وقلب تدابيره رأساً على عقب.

رأى المرأة تنتظره وقد أطرقت برأسها في هدوء وصمت ورفعت إليه عينين تفيض منهما الدموع .. لقد عادت إليه تطلب المغفرة.

وأحس الفتى أنه قد أضحى مسلوب الإرادة .. وتطاير من رأسه كل ما رسمه من خطط .. وخانه ذلك الجمود وتلك القسوة .. وانقاد لها كأنه طفل غرير.

وقادته المرأة إلى ذلك البيت الذي كان يزورها فيه خلسة. جلسا حيث تعودا أن يرتشفا كئوس الحب حلوة مترعة .. ونظرت إليه في سكون تستغفره .. فلم يسعه إلا أن يغفر .. ومد يده فتخلل شعرها بأصابعه .. ثم أمسك بوجهها الصغير بين كفيه ووضع شفتيه ببطء على شفتيها .. واختلطت أنفاسها بأنفاسه .. وراحا في نشوة ..

وهبت على البقعة النائية .. موجة من الريح هائجة عاتية .. وسمع من خلالها صوت يزمجر مغضباً:
- ويل للإنسان الأحمق المأفون .. لقد أطاح بسلطاني وسلطانك .. ولم يبق على مال ولم يبق على شهرة ..

وأجابه صوت ناعم رقيق:
- لن أجيبك بشئ .. بل سأدع الفتى نفسه يجيبك.

وهمس الفتى في أذن الفتاة:

لا أريد في هذه الدنيا مالاً .. ولا شهرة .. أريدك أنت .. أريد الحب .. فكل شئ ما خلا الحب عبث!
"انتصار"
يوسف السباعي
TAFATEFO
وذهب المجلس المحترم، وأخذ في استجواب الرجل،
ولكنه لم يجب بحرف واحد، بل صاح
بابنته، فتقدمت
حاملة بين يديها منضدة صغيرة ،
حاملة أكواب الماء
الأسود

- إنه، يا سيدي، شئ مخيف ومروع حقاً!!

- هدئ من روعك يا بني، واسترح قليلاً، ثم خبرنا بجلية الأمر ..

ولكن الرجل لم يسترح ولم يهدأ .. بل اندفع يتحدث في سرعة دافقة، وقد ارتجف جسمه، واحمرت عيناه، كأن به مساً من شيطان رجيم ..

قال إنه رأى أشباحاً ضخمة مخيفة .. تتحرك ببطء، وقد تقدمتها حيوانات بشعة لم ير مثلها من قبل .. وكانت القافلة الرهيبة تزحف دون أن يظهر بينها آدمي واحد .. حتى خيل إليه أن أصحابها من الجن والأبالسة.

وسرى النبأ في القرية سريان النار في الهشيم .. وعلم أهلوها أن عدواً غامضاً مخيفاً بات يهدد سلامتهم، وأنه يوشك أن ينقض عليهم فيوسعهم نهباً وسلباً، ويذيقهم عذاباً أليما!

وسرعان ما احتشد رجال القرية بأقواسهم ونبالهم، ومضت جحافلهم تريد العدو .. لمنازلته وسحقه!

* * *

كان ذلك في أوائل القرن التاسع عشر، في إحدى قرى ولاية أوريجون بأمريكا الشمالية، وكانت قرية بعيدة يسكنها الهنود الحمر، لم يستطع المستعمرون البيض أن يصلوا إليها في ذلك الحين.

وفي ذات يوم شاهد أهل القرية رجلاً غريباً يقبل عليهم، وقد ساق أمامه جواداً عجوزاً أعجف، حمّله ما استطاع من بضائع أوروبية أثارت عجب القوم ودهشتهم ..

وتهافت القوم على بضاعة الرجل، وبدأت المقايضة .. فأخذوا كل ما معه من (بطاطين) زاهية، وحلى مذهبة، وأدوات للطبخ والأكل براقة لامعة، واستولى هو على كل ما لديهم من فراء ثمين، ثمناً لبضاعته الزهيدة التافهة .. ومع ذلك كان اغتباط القوم بما أعطاه الرجل لهم لا يكاد يقدر .. بل أظهروا له عظيم أسفهم عندما اعتزم الرحيل، ورجوا منه رجاء حاراً ألا يطيل غيبته، وأن يحضر لهم في المرة القادمة كل ما يستطيع حمله من سوق الرجال البيض.

وولت الأيام، والقوم في انتظار الرجل الأبيض الذي طالت غيبته، حتى يئسوا من عودته، وانمحت ذكراه من رؤوسهم ..

وفي يوم من الأيام أقبل رجل منهم يعول ويصيح وقد تملكه الفزع .. وأخبرهم أنه رأى خارج القرية عدواً مخيفاً جباراً يزحف عليهم كأنه القدر المحتوم. وهرع القوم إلى أسلحتهم، وهبوا يذودون عن حياضهم .. وسارت جماهيرهم ثائرةً صاخبةً تهدد الغازي بالويل والثبور ..

وظهرت في الأفق طلائع العدو، فذهل القوم لرؤيتها وتسمروا في أماكنهم كالحجارة! .. لقد صدق النذير، ولم يكن مبالغاً فيما وصف!!

هذه الأشباح الهائلة المخيفة التي تتقدمها حيوانات ضخمة مروعة! ترى ما كنهاا؟ وماذا تبتغي؟ ..

ولم يبد على العدو الزاحف أي إشارة تدل على العدوان .. فزاد ذلك من دهشة القوم، وأطلقوا عليه بضعة أسهم في الهواء استفزازاً له، ولكنه استمر في مشيته الهادئة، ومظهره المسالم، وأخذ يقترب منهم شيئاً فشيئاً، حتى أصبح منهم على قيد خطوات ..

.. وفجأةً انقلب فزع القوم ودهشتهم إلى موجة فرح وسرور سرت بينهم، وإذا بهم يقهقهون ويرقصون حول ما ظنوه في بادئ الأمر عدواً يهدد سلامتهم .. فقد وجدوا عدوهم المخيف، هو التاجر الأبيض الذي ينتظرونه بفارغ الصبر .. ولم تكن الأشياء الضخمة الرهيبة التي تتقدمها الحيوانات المخيفة سوى عربات كبيرة تجرها الثيران، وقد حملها التاجر بالبضائع المختلفة!

وسار أهل القرية يتقدمون موكب التاجر، ودخلوا القرية كالغزاة الفاتحين .. وانتقى التاجر قطعة أرض واسعة في وسط القرية فحط بها رحاله، وأخذ يبتني له كوخاً خشبياً واسعاً جعله قسمين: أحدهما لسكناه هو وفتاته الحسناء الذهبية الشعر، والآخر نظم فيه بضاعته تنظيماً بديعاً، استهوى أفئدة الهنود، وملأهم سروراً وعجباً.

ولم تكد تمضي أسابيع قلائل حتى كان الرجل قد استنفذ معظم ما يملكه أهل القرية من نفائس وفراء نظير جزء ضئيل من بضائعه. ووجد نفسه قد أصاب في غمضة عين ثراء طائلاً لم يكن يحلم به ..

وذهب عمدة القرية لزيارة حانوت الرجل ومشاهدة ما به من تحف، فاستقبله بالحفاوة والترحاب، وأكرم وفادته، وعرض عليه كل ما عنده من بضائع نفيسة.

وعندما هم العمدة بمغادرة الحانوت، قاده الرجل إلى غرفة صغيرة مظلمة في مؤخرة الكوخ، وأسر في ذهنه هامساً:
- سأذيقك نوعاً من الشراب إذا أقسمت ألا تبوح بسره لأحد!

وبعد أن أقسم العمدة يميناً غلظة، ناوله الرجل كوباً مليئة بشراب سماه (الماء الأسود) .. وكان الشراب نوعاً من الخمر المعتقة، أغلب الظن أنه (الروم).

وكانت الخمر في ذلك الوقت حرم بيعها للهنود الحمر، لما لها من تأثير بالغ فيهم، ولكن التاجر كان قد تملكه الجشع، وأغراه ما حصل عليه من ثروة طائلة، فطمع في المزيد، ورسم لنفسه خطة يتحايل بها على بيع الخمور للقوم بأبهظ الأثمان فتتضاعف بذلك ثروته، ويستنزف منهم كل ما يملكون.

وفعلت الخمر فعلها برأس الرجل الوقور فأصابته نشوة .. واستخفه طرب .. وذهل الناس عندما رأوا عمدتهم المهيب يعود إلى داره مترنح الأعطاف، يوزع النكات ذات اليمين وذات اليسار، ويرفع عقيرته بالغناء، غير متورع عن الرقص وسط الطرقات!!

وفي اليوم التالي حينما أفاق الرجل، ولم يجرؤ أحد على مصارحته بهزله الشائن، وعبثه الماجن .. ولم يجد الرجل ما يمنعه من كوب آخر من الماء الأسود على سبيل (الفرفشة) فولى وجهه شطر حانوت التاجر ..

وتكررت المهزلة يوماً بعد يوم .. ووجد أهل القرية أنّ الأمر أصبح جد خطير، فانعقد مجلس القرية للتشاور فيما أصاب زعيمهم .. وقرروا آخر الأمر أن التاجر الأبيض قد سلط عليه روحاً شريرة أصابته بخبل، وجعلت منه سخرية وأضحوكة .. واتفقوا على إيفاد رسول منهم إلى التاجر لنهيه عن فعلته الشائنة، وأمره بطرد الروح الشريرة من جسم الزعيم.

وذهب الرسول فأنذر الرجل، وأنصت هذا لحديثه حتى النهاية، دون أن ينبس ببنت شفة .. فلما انتهى قاده من يده إلى الحجرة النائية، وفعل به مثل ما فعل بالزعيم في أول الأمر.

وخرج الرسول نشوان مترنحاً .. هازلاً ماجناً .. يغني ويرقص .. تماماً كما فعل زعيمه من قبل!!

وذهل أعضاء مجلس القرية حينما رأوا ما حل برسولهم، وما زالوا يستجوبونه حتى باح بالسر .. وهو مخمور لا يدري ما يقول!!

ودهش القوم، ولم يصدقوا الرجل، واستقر رأيهم على أن يذهبوا جميعاً ليتبينوا الحق من الباطل .. وكان هذا هو كل ما يرغبه التاجر الأبيض!!

ذهب المجلس المحترم، وأخذ في استجواب الرجل، ولكنه لم يجب بحرف واحد، بل صاح بابنته، فتقدمت حاملة بين يديها منضدة صغيرة صفت عليها أكواب الماء الأسود!

وتردد القوم برهة، ثم مدوا أيديهم يجرعون ما بالأكواب .. وبعد هنيهة أصبح مجلس القرية .. مجلس (أنس) ..

وتهافت على التاجر أهل القرية يطلبون الماء الأسود فلم يبخل عليهم به .. ورفض أن يأخذ منهم أي مقابل!

وحدث بعد ذلك ما ينتظر كل امرئ منهم حدوثه .. فقد استساغ أهل القرية الخمر، وأقبلوا عليها، فرفع الرجل ثمنها شيئاً فشيئاً، حتى بلغ السعر الذي يبيع به الكأس الواحدة حد الجنون!

وأخيراً نفذ الخمر. وهنا كانت الكارثة: ظن الناس أن التاجر قد أخفاه ليبيعه بسعر أعلى، فتكاثروا عليه وطلبوا إليه أن يعطيهم خمراً، ولم يجد التاجر نفعاً أن يقسم أيماناً مغلطة بأن الخمر قد نفدت وأنه يعدهم بأن يذهب إلى سوق الرجال البيض، فيحضر لهم ما يشاؤون من ذلك الماء الأسود.
ورفض القوم الظامئون أن يصدقوا الرجل أو يطلقوا سراحه .. وأخذوا في تعذيبه أمام ابنته، والرجل يئن ويتلوى ألماً. حتى إذا يئسوا منه؛ أغلقوا عليه وابنته الكوخ .. ثم أشعلوا النار!

وانصرف القوم، تاركين الكوخ يحترق بما فيه.

الماء الأسود
يوسف السباعي
TAFATEFO
وكانت العادة قد جرت على أن يبدأ الذين بيدهم تقسيم الأغنام في إعطاء الآلهة حصتها من الأسلاب .. اعترافاً لها بالحمد والشكر لما حبتهم به من نعم وجعلتهم من الظافرين.

ثم يأتي بعد ذلك دور كسرى .. وكان من نصيبه في هذه المعركة خباء فخم لأبروداش أحد قواد الأشوريين، وكان به زوجته الفاتنة الحسناء، ومعها جواريها من راقصات ومغنيات، وبقية الخدم والأتباع.

ولما وصل كسرى النبأ .. طلب -أراسبيز- صديق طفولته ووكل إليه أمر الخباء وكلفه بحراسة الأميرة وتوابعها. وشعر أراسبيز بعبء هذه المهمة التي ألقيت على كاهله فسأل كسرى:

- هل رأيت هذه المرأة التي كلفتني بحراستها؟


- كلا .. لم يقع نظري عليها بعد.


- لقد رأيتها عندما كنا نوزع الغنائم، ولم أستطع تمييزها لأول نظرة عندما دخلت الخباء .. فقد كانت ترتدي نفس الملابس التي ترتديها تابعاتها .. ولكن النظرة الثانية إليها علمتني أنها نسيج وحدها .. لقد وقفت عندما أمرتها بالوقوف .. فكانت قطعة أبدع الله صنعها .. كانت تبكي بكاءً مراً .. وحاولنا طمأنتها والتخفيف من لوعتها .. فقلنا لها إنها قد أصبحت ملكاً لكسرى العظيم .. سيد ملوك العالم قاطبة .. فما زادها إلا عويلاً ونحيباً .. حتى لقد شقت خمارها فبدا منه رأسها وتعرت رقبتها حتى الكتف .. فشع منها السحر حتى كاد يذهب بأبصارنا وعقولنا ..


ثم صمت لحظة وأردف:


- اذهب إليها .. لترى الفتنة وضعت في امرأة. اذهب وانظر .. فترى عيناك .. أكثر مما سمعت أذناك.


وهز كسرى رأسه، ثم أطرق وقال:

- يا صاحبي لن أذهب إليها قط .. لن ألقي بيدي إلى التهلكة .. سأفر من هذه الفاتنة .. وسأمعن في تجنبها كلما أمعنت في وصف جمالها .. أنت تعلم أنه ليس لدي وقت للهو والحب .. فلو كانت صاحبتك كما وصفتها، لأذهب جمالها مني العقل .. فارتميت في أحضانها .. وفقدت معاركي وكنت من الخاسرين.


فضحك أراسبيز ساخراً وقال:


- كسرى العظيم يقول هذا ؟! أتصدق يا سيدي أن مجرد النظر إلى الجمال مهما كان سحره يمكن أن يفتن الرجل القوي .. فيوقعه في شراكه ويجعله يتخبط كـفأرٍ في مصيدة؟ .. كلا يا سيدي .. كلا .. لو كان قولك صحيحاً، لكان الجمال كنار مستعرة، تحرق بشواظها كل من لمسها .. ولكنا رأينا كل من حول هذه المرأة قد اكتوى بنار حبها .. وجن من فرط هواها.


إن الحب يا سيدي لا يمكن أن يكره عليه المرء .. إنه أمر يفعله الإنسان بمحض إرادته .. وبمشيئته واختياره .. فهو ليس -كما تتصور- أغلالاً يكبل بها المرء، أو أسراً يقع فيه .. والإنسان حر في أن يحب أو لا يحب .. وليست المسألة مسألة جمال .. فقد يجذبني جمال لا يحرك فيك ساكناً .. وقد أرى جمالاً لا يكلفني حتى مشقة النظر إليه .. ثم تراه فيتركك صريعاً لا حراك بك.


وعلى أية حال .. فإنني أعتقد أن ذا الحجا .. يستطيع أن يسير في الطريق الذي يريد أن يسير فيه .. ولن تستطيع امرأة -مهما بلغت من السحر- أن تثنيه عن غايته.


وكان كسرى يسمع لصاحبه مطرقاً، فلما انتهى صاحبه رفع إليه رأسه سائلاً:


- إذا كان الأمر كما تقول يا أراسبيز، فلم لا يكف الناس عن الحب؟ .. لم لا يستطيع هؤلاء الذين تحطمت حياتهم على مذبح الحب؛ أن يفروا منه؟ وهؤلاء الذين ذهبت عروشهم في سبيل الحب؛ فذلوا بعد عز؛ لِمَ لَم يتمكنوا من الإفلات من شراكه؟ وأولئك الذين أدمت أقدامهم الأشواك الملقاة في طريق الحب فتعثروا فيها؛ لِمَ لَم يطرقوا طريقاً آخر؟


- هؤلاء هم ضعاف النفوس .. خفاف الأحلام .. ولعمري؛ لا أدري لِمَ نصفح عن أولئك الذين لا يستطيعون أن يكفوا عن الحب .. ونعاقب أولئك الذين لا يستطيعون أن يكفوا عن السرقة وهم في الجرم سواء ..

فإذا كان الأخير لا يبرر جرمه أن ما سرقه قد أغراه بالسرقة .. فلِمَ يبرر حب العاشق أن الجمال قد أغراه بالحب؟


إن الذين تسميهم بضحايا الحب .. هم أولئك الذين لا يصلحون في الحياة لشئ .. ولو لم يكونوا ضحايا حب؛ لكانوا ضحايا أي شئ آخر .. بل لكانوا ضحايا أنفسهم، وضحايا عجزهم وضعفهم. وكل ما في الأمر أنهم جعلوا الحب ستاراً يخفون خلفه نفوسهم الواهنة ..


ولم لا تأخذ مني مثلاً يا سيدي؟ وقد رأيت هذه المرأة التي ركبت في عينيها؛ بل في كل جزء من أجزاء جسمها .. قوساً وسهاماً .. فهي لا تفتأ تصيب الناظر إليها بالسهم تلو السهم .. حتى يسلم إليها .. أو يسقط صريعاً .. فما استطاعت أن تصيبني بخدش .. لا لشئ إللا لأني أعلم أن ليس لي أن أحبها لأنها ليست ملكاً لي .. بل ملكاً لك.

- قد تكون صادقاً .. ولكن تذكر أنك لم تر المرأة إلا مرة واحدة فقط .. لقد أبيتَ إلا أن تشبه الجمال بالنار التي تلهب كل من لمسها .. ولكني أؤكد لك أن النار أخف وطأة .. لأنك لن تلهبك إلا إذا وضعت يدك فيها .. أما الجمال، فصاحبته يمكن أن تصيبك وهي بمنأى عنك .. فتشعل فيك الفؤاد .. وتلهب القلب .. فلا تشعر إلا حين تصبح هشيماً تذروه الرياح .. وإذا بك يا صاحبي قد أصبحت دون أن تدري من ضحايا الحب ..

وافترقا .. وكل منهما ما زال عند رأيه .. وكان آخر ما قاله أراسبيز:

- إني لن أقع في شراك حب لا أرغب في الوقوع فيه.

من قصة " كسرى وصاحبه "
يوسف السباعي
TAFATEFO
" كان للرجل منا ثلاث نساء ، صاحبة للهو والتسلية ، وخليلة لقضاء
رغباته الطبيعية، وزوجة لتهيئ له بيتاً هادئاً محترماً وأبناء شرعيين"
Demosthenes
لم يبد عجز الرجال في شئ، منذ بدء الخليقة، كما بدا عجزه في تنظيم العلاقات بينه وبين المرأة. ولم يفشل في شئ قدر فشله في تحديد ما يجب أن يعطيه لها، وما يجب أن يأخذه منها.

وقد تكون أسعد فترة فترة قضاها الرجل في التاريخ هي تلك الفترة التي كان يعيش فيها على الفطرة، دون أن تحيده قيود، أو تقيده قوانين، سوى تلك التي وضعتها الطبيعة.


ولكنه - قاتله الله - بدأ في التطلع إلى الرقي، فأخذ في وضع القوانين، وخلق الحقوق والواجبات. وكان أول ما واجهه من مشاكل، هو ماذا يعطي نصفه الأضعف، وماذا يحرم عليه؟ وكانت النتيجة أن انتهى الأمر به إلى وضع نظام الزواج. ولكن هذا النظام لم يحل المشكلة، فقد كان الرجل فوق احتياجه إلى ربة بيت ترعى شؤونه وتربي صغاره، يحتاج إلى أخرى تعطيه اللذة والمتعة، وتنسيه متاعب البيت وقيوده. وقد يخيل للمرأة أنها قادرة على أداء العملين، ولكن الرجل يؤكد أن امرأة واحدة لن تستطيع أن تعطيه كل ما يطلب، فبدأ يبحث بعد الزوجة عن امرأة أخرى، للهو والمتعة، ولكن هذه الأخرى، لم يرضها أن تكون مجرد أدادة لهو، وبدأت تطالب هي الأخرى بحقها في الحياة (الزواج)، وكانت نتيجة ذلك أن نشأ نظام تعدد الزوجات. ولكن حتى هذا أيضاً لم يقنع الرجل، فقد رأى أن المرأة تفقد قيمتها كوسيلة للمتعة بمجرد أن تصير زوجة، ورأى من الحمق أن يحاول التخلص من قيود الزوجة بزوجة أخرى، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ وأدرك أخيراً أن شر ما يبتلى به الرجل هو عدة زوجات، وأن خير وسيلة للتمتع بالحياة، هو أن يقنع بزوجة واحدة، وبضع محظيات. فليس أحب إلى نفسه من اللذة المسروقة والمتعة المختلسة، وما كانت رغبة الرجل في المرأة لتقاس بمقدار جمالها، بل بمقدار ما يلقاه من مشقة في الحصول عليها. فإن وجدها سهلة في يده لا تعب في الوصول إليها ولا مشقة، ذهبت فتنتها وخبا بريقها، وهكذا الزوجة لا يكاد الرجل يحصل عليها، ويجدها طوع أمره، حتى يزهد فيها وينصرف عنها، ولا تكاد تثيره إلا بمقدار ما يثيره تمثال في ركن الدار حتى ولو كان لإلاهة الجمال.


هكذا خلق الرجل ! هو دائماً يريد امرأة أخرى، لا يهمه أن تكون أجمل من الأولى، بقدر ما يهمه أن يركب الصعب في الحصول عليها، وأن تكون محرمة عليه ممنوعة عنه.
من قصة " المرجومة الخالدة "
يوسف السباعي
TAFATEFO



...... دعيني أشرح لك الحب كما أحس به .. لا كما قرأته أو سمعت عنه ..وسأشرحه لك في أبسط الألفاظ وبأقصر الطرق.

معنى أني أحبك .. هو أن رأسي ملئ بك .. حتى لكأن ذلك الشئ الكامن فيه ليس عقلا كبقية العقول .. بل هو عقل ممزوج بك .. لا يستطيع أن يفكر في غيرك .. أما عيناي فكأني بصورتك قد التصقت بهما .. حتى بت لا أبصر الحياة إلا من خلالك .. أما القلب .. فأغلب الظن أنك قد امتزجت بالدماء التي تجري في أوردته وشرايينه .. فلو توقفت عن السريان فيه لكف عن نبضه وتعطل عن حركته.

لا تقولي أن قولي مبالغة عشاق .. أو مجرد إنشاء .. أو محاولة في الكتابة والأدب .. لأن ذلك القول هو حديثي إلى نفسي، وليس أصدق من حديث النفس إلى النفس.

إني لأبصرك فأتمنى ألا يتحرك الوقت، وأتمنى لو أصاب الحياة جمود وركود، حتى تظلي أمام عيني إلى ما لا نهاية، وقد يزداد بي الطمع في بعض الأحيان فأتمنى لو استطعت أن أحتوي يدك بين يدي، وأن أحس برأسك يستند إلى صدري، ثم نغمض أعيننا عن كل ما في الحياة، ونظل كذلك حتى ينتهي العمر، أو حتى تحين الساعة.

يوسف السباعي

"رجل مخدوع" من مجموعة "ست رجال وستة نساء"

TAFATEFO

هل جربت الحب؟ .. هل ذقت انتصار الحب؟. هل تعرف ما معنى أن يبتسم لك الحبيب ويشعرك أنه ميزك من دون خلق الله أجمعين ..؟ هل تعرف كم تساوي تلك الابتسامة بالذات؟

ابتسامة .. أي انفراج شفتين، قد يمنحها صاحبها طول اليوم لمئات الناس فلا تعني شيئا بالنسبة لهم .. ثم يمنحك إياها .. فتكون لك كل شئ : تكون النعيم .. وتكون الحياة .. ويكون انفراج الشفتين بالنسبة لك كأنه انفراج أبواب الجنة.

يوسف السباعي

قصة "رجل وظلال" من مجموعة "اثنا عشر رجلا"