‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود درويش. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود درويش. إظهار كافة الرسائل
TAFATEFO


بقية حياة


إذا قيل لي: ستموتُ هنا في المساء
فماذا ستفعل في ما تبقَّى من الوقتِ؟
ـ أنظرُ في ساعة اليد/
أشربُ كأسَ عصيرٍ،
وأَقضم تُفَّاحَةً،
وأطيلُ التأمُّلَ في نَمْلَةٍ وَجَدَتْ رزقها،
ثم أنظر في ساعة اليدِ/
ما زال ثمَّة وقتٌ لأحلق ذقني
وأَغطس في الماء/ أهجس:
"لا بُدَّ من زينة للكتابة/
فليكن الثوبُ أزرق"/
أجْلِسُ حتى الظهيرة حيّاً إلى مكتبي
لا أرى أَثر اللون في الكلمات،
بياضٌ، بياضٌ، بياضٌ...
أُعِدُّ غدائي الأخير
أَصبُّ النبيذ بكأسين: لي
ولمن سوف يأتي بلا موعد،
ثم آخذ قَيْلُولَةً بين حُلْمَينْ/
لكنّ صوت شخيري سيوقظني...
ثم أَنظر في ساعة اليد:
ما زال ثمّةَ وَقْتٌ لأقرأ/
أقرأ فصلاً لدانتي ونصْفَ مُعَلَّقَةٍ
وأرى كيف تذهب مني حياتي
إلى الآخرين، ولا أتساءل عَمَّنْ
سيملأ نقصانها
ـ هكذا ؟
ـ هكذا ، هكذا
ـ ثم ماذا ؟
ـ أمشّط شَعْري، وأرمي القصيدة...
هذي القصيدة في سلة المهملات
وألبس أحدث قمصان إيطاليا،
وأُشَيّع نفسي بحاشيةٍ من كمنجات إسبانيا
ثم أمشي إلى المقبرةْ !

TAFATEFO
TAFATEFO
آخر جزء من قصيدة ( جدارية ) للشاعر الكبير محمود درويش


ومثلما سار المسيحُ على البحيرة ... سرتُ في رؤيايَ .

لكنِّي نزلتُ عن الصليب لأنني أَخشى العُلُوَّ ولا أُبشِّرُ بالقيامة .

لم أُغيِّر غيرَ إيقاعي لأَسمع صوتَ قلبي واضحاً …
للملحميِّين النُسُورُ ولي أَنا طَوْقُ الحمامة ،

نَجْمَةٌ مهجورةٌ فوق السطوح ، وشارعٌ يُفضي إلى الميناء …
هذا البحرُ لي
هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
هذا الرصيفُ وما عَلَيْهِ من خُطَايَ وسائلي المنويِّ … لي
ومحطَّةُ الباصِ القديمةُ لي .

ولي شَبَحي وصاحبُهُ .

وآنيةُ النحاس وآيةُ الكرسيّ ، والمفتاحُ لي
والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي
لِيَ حَذْوَةُ الفَرَسِ التي طارت عن الأسوار … لي .. ما كان لي .

وقصاصَةُ الوَرَقِ التي انتُزِعَتْ من الإنجيل .. لي
والملْحُ من أَثر الدموع على جدار البيت .. لي …
واسمي ، وإن أخطأتُ لَفْظَ اسمي
بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي :
ميمُ : المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى
حاءُ : الحديقةُ والحبيبةُ ، حيرتانِ وحسرتان
ميمُ : المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته الموعود منفيّاً ، مريضَ المُشْتَهَى
واو : الوداعُ ، الوردةُ الوسطى ، ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ ، وَوَعْدُ الوالدين
دال : الدليلُ ، الدربُ ، دمعةُ ، دارةٍ دَرَسَتْ ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني
وهذا الاسمُ لي ... ولأصدقائي ، أينما كانوا ،

ولي جَسَدي المُؤَقَّتُ ، حاضراً أم غائباً …
مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن …
لي مِتْرٌ و75 سنتمتراً …
والباقي لِزَهْرٍ فَوْضَويّ اللونِ ،
يشربني على مَهَلٍ ، ولي ..
ما كان لي : أَمسي ، وما سيكون لي ..
غَدِيَ البعيدُ ، وعودة الروح الشريد
كأنَّ شيئا ً لم يَكُنْ
وكأنَّ شيئاً لم يكن
جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العَبَثيِّ …
والتاريخُ يسخر من ضحاياهُ ومن أَبطالِهِ …
يُلْقي عليهمْ نظرةً ويمرُّ …
هذا البحرُ لي ..
هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي ..
واسمي ..
وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت لي ..
أَما أَنا وقد امتلأتُ بكُلِّ أَسباب الرحيل
فلستُ لي ..
أَنا لَستُ لي ...
أَنا لَستُ لي ....

محمود درويش


TAFATEFO
في القدس
محمود درويش (من ديوان لا تعتذر عمّا فعلت)


في القدس؛
أعني داخل السور القديم؛
أسير من زمن إلى زمن بلا ذكرى تصوبني ..
فإن الأنبياء هناك يقتسمون
تاريخ المقدّس ،
يصعدون إلى السماء
و يرجعون أقل إحباطا و حزنا ؛
فالمحبة
و السلام مقدسان و قادمان إلى المدينة.

كنت أمشي فوق منحدر و أهجس:
كيف
يختلف الرواة على كلام الضوء في حجر؟
أمن حجر شحيح الضوء تندلع الحروب؟

أسير في نومي.أحملق في منامي.
لا
أرى أحدا ورائي.لا أرى أحدا أمامي ..
كل هذا الضوء لي ..
أمشي؛ أخف؛ أطير
ثم أصير غيري في التجلي ..
تنبت
الكلمات كالأعشاب من فم أشعيا النبوي ّ:
" إن لم تؤمنوا لن تأمنوا".


أمشي كأني واحد غيري،
و جرحي وردة
بيضاء إنجيلية،
و يداي مثل حمامتين
على الصليب
تحلقان و تحملان الأرض ..

لا أمشي، أطير، أصير غيري في
التجلي.
لا مكان ولا زمان
. فمن أنا؟


أنا لا أنا في حضرة المعراج ..
لكنّي
أفكر: وحده كان النبي محمد (ص) يتكلم العربية الفصحى ..
و ماذا بعد؟
..ماذا بعد؟

صاحت فجأة جندية :
هو أنت ثانية ؟ألم أقتلك؟
قلت : قتلتني ... و نسيت , مثلك , أن أموت.
محمود درويش