TAFATEFO
ومن الضروري هنا أن نقرِّر: أن مفهوم كلمة (الدِّين) ليس هو مفهوم كلمة (الإسلام) كما يتصور ذلك كثير من الكتاب المعاصرين.

نعم يمكن أن يكونا شيئا واحدا، إذا أضفنا الدِّين إلى الإسلام أو إلى الله، فنقول (دين الإسلام) أو (دين الله) جاء بكذا أو كذا، أو هو الدِّين الذي بعث الله به خاتم رسله: محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل به آخر كتبه: القرآن الكريم.
ولكن إذا ذكرت كلمة (دين) مجردة من الإضافة أو الوصف، فهي أضيق مفهوما من كلمة الإسلام، لأن (الدِّين) في الحقيقة إنما هو جزء من الإسلام.

ومن هنا رأينا الأصوليين والفقهاء وعلماء المسلمين يُقَسِّمون المصالح التي جاءت شريعة الإسلام لتحقيقها في الحياة إلى: ضروريات وحاجيات وتحسينات. ويَحْصُرون الضروريات التي لا تقوم حياة الناس إلا بها في خمسة أشياء، وهي: الدِّين والنفس والنسل والعقل والمال. وأضاف بعضهم سادسة، وهي: العرض.

فالشريعة الإسلامية من مقاصدها الأساسية: أن تُقِيم (الدِّين) وتحافظ عليه، لأنه سر الوجود، وجوهر الحياة، ومن أجله خَلق الله الناس، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذريات:56].
بل أعلن القرآن أن الله لم يخلق هذا العالم عُلْويَّه وسُفْليَّه، بسمواته وأرضه، إلا ليعرفه خَلقه، فيؤدوا إليه حقه، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق:12].

فالدِّين إذن هو ما يحدد العلاقة بين الله سبحانه وخَلقه من المكلَّفين، من حيث معرفته وتوحيده، والإيمان به إيمانا صحيحا بعيدا عن ضلالات الشرك، وأباطيل السحرة، وأوهام العوام. ومن حيث إفراده جل شأنه بالعبادة والاستعانة، فلا يُتوجه بالعبادة إلا إليه، ولا يستعان -خارج الأسباب المعتادة- إلا به سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5].

ومن هنا نرى كلمة (الإسلام) أوسع دائرة من كلمة (الدِّين). ولهذا نقول: الإسلام دين ودنيا، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، خُلُق وقوة.
ورأينا من أدعية نبينا صلى الله عليه وسلم: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي".
وهكذا رأينا: (الدِّين) يقابل بـ(الدنيا)، ورأينا الفقهاء يقولون عن بعض أعمال المكلَّفين: تجوز دينًا أو ديانة، ولا تجوز قضاء أو العكس.
ورأينا الكلام عن (الدِّين والسياسة)، أو (الدِّين والدولة) في كلام كثير من العلماء على تنوع اختصاصهم.
الدين والسياسة
يوسف القرضاوي
TAFATEFO

لا عجب أن أقبلت بلهفة على قراءة مقال وجدته في صحيفة بريطانية كتبه المخرج راي (Satyajit Ray) بمناسبة ذكرى طاغور (Rabindranath Tagore) . وفيه إشارة إلى الواقعة المؤثرة الآتية التي حدثت له وهو طفل في الثامنة من عمره. قال راي أنه نشأ في نفس البلدة من بلاد البنجال بالهند، التي عاش فيها طاغور. وكانت أم راي تزور طاغور أحياناً فكان يسألها عن تعليم ابنها وتطوره العقلي. وفي أحد الأيام جاءته أمه مصطحبة ابنها ساتياجيت وطلبت من طاغور أن يدعو لابنها ويباركه، فقام طاغور وأحضر قلماً وورقة وكتب عليها مقطوعة شعرية قصيرة من تأليفه، وطواها وأعطاها للأم قائلاً:
(( احتفظي بهذه القصيدة القصيرة لابنك حتى يكبر. إنه لن يفهمها الآن، ولكنه سيفهمها بكل تأكيد عندما يكبر. ))

وكانت القطعة التي كتبها طاغور:
" لقد أنفقت ثروة طائلة في السفر إلى شواطئ بعيدة، فرأيت جبالاً شاهقة ومحيطات لا يحدّها حد. ولكني لم أجد متسعاً من الوقت لأن أخطو بعض خطوات قليلة خارج منزلي، لأنظر إلى قطرة واحدة من الندى، على ورقة واحدة من أوراق العشب ".
" I have spent a fortune travelling to distant shores, and looked at lofty mountains and boundless oceans, and yet I have not found time to take a few steps from my house, to look at a single dew drop on a single blade of grass".
TAFATEFO
كذلك فإن تجربتي ومشاهداتي ، ليست فقط المستمدة من أسرتي بل ومن خارجها أيضاً، تكاد تجعلني أقطع بأن الحس الخلقي للمرء يولد مع الطفل بدرجة معينة من القوة، مثلما يولد معه أنف بحجم معين وصوت ذو نغمة خاصة. إن من بين أفراد عائلتي من لا يتصور الكذب ومنهم من يكاد يستعذبه. منهم من لا يهمه كثيراً ما إذا كان غنياً أو لم يكن، ولكن منهم من كان، منذ نعومة أظفاره، على استعداد لبيع نصيبه من المانجو التي قد يجلبها أبي معه للغذاء، وإضافة حصيلة البيع إلى مدخراته. منهم من كان دائماً يلتهم الكتب التهاماً، ومنهم من كان مجموع ما قرأه، عدا الكتب المدرسية، بعض مقالات خفيفة في كتاب أبي "فيض الخاطر"، كان يقرؤها أحياناً قبل النوم ثم سرعان ما يغلبه النعاس.

وعندما أستعرض ما آل إليه أصدقائي في المدرسة الابتدائية أو الثانوية، ممن عرفت تطور حياتهم بعد تخرجهم، أجد ما يقطع بصحة هذا الاستنتاج. كان من بينهم النابغ والمحدود الذكاء، سريع الفهم والبطيء، العميق والسطحي، من يلتقط الفكرة الصعبة بسهولة وسرعة، ولكنه قليل الصبر على الربط بينها وبين فكرة أخرى، ومنهم المتأني البطيء الذي لا يفهم بسرعة، ولكنه يصرّ على البحث عن العلاقات غير الظاهرة حتى يجدها. كذلك كان من بينهم النبيل والسافل، الشهم والنذل، المستعد دائماً للتضحية ومن لا يفكر إلاّ في نفسه. لقد دخل معظمهم، بل وربما كلهم، الجامعة وتخرجوا بشكل أو بآخر فيها، وحصل معظمهم على وظائف محترمة، وحصل بعضهم على الدكتوراه، من بين الأذكياء والأغبياء، ولكن ظل كل منهم على حاله الذي بدأ به، عقلياً وخلقياً.

***

منذ ثلاث أو أربع سنوات خطر لأحد زملائي القدامى، الذي كان تلميذاً معي في نفس الفصل المدرسي منذ ما يقرب من ستين عاماً، عندما كنا في نحو الثانية عشرة من عمرنا، أن يدعوا أكبر عدد ممكن من هؤلاء الزملاء القدامى إلى العشاء في مطعم يطلّ على النيل، وقبلت الدعوة مسروراً ومتشوقاً إلى أن أرى ما فعله الدهر بأصدقاء الصبا، وبعضهم لم أكن رأيته قط منذ كنّا في تلك السن الصغيرة، فرأيت عجبا. نعم، لقد شاب شعر أكثرهم، وتشققت البشرة بالتجاعيد ، وجاء أحدهم يستند إلى عكاز، وسيطر الحزن على آخر بسبب أزمة قلبية حديثة العهد. ولكني وجدت أن من كان ذكياً لا يزال ذكيا، ومن كان غبياً لا يزال غبيا، وثقيل الظل ظل كما هو، ومذلك خفيف الظل. كلهم في يسر نسبي، وكلهم لهم، أو كان لهم وظائف أو أعمال محترمة، ولكن التفاوت العقلي والخلقي لم يطرأ عليه أي تغير، إذ يبدو أنه لا المدرسة النموذجية، ولا المدارس الأقل نموذجية، استطاعت أن تقضي على هذا التفاوت.
ماذا علمتني الحياة؟
جلال أمين

TAFATEFO
وكانت العادة قد جرت على أن يبدأ الذين بيدهم تقسيم الأغنام في إعطاء الآلهة حصتها من الأسلاب .. اعترافاً لها بالحمد والشكر لما حبتهم به من نعم وجعلتهم من الظافرين.

ثم يأتي بعد ذلك دور كسرى .. وكان من نصيبه في هذه المعركة خباء فخم لأبروداش أحد قواد الأشوريين، وكان به زوجته الفاتنة الحسناء، ومعها جواريها من راقصات ومغنيات، وبقية الخدم والأتباع.

ولما وصل كسرى النبأ .. طلب -أراسبيز- صديق طفولته ووكل إليه أمر الخباء وكلفه بحراسة الأميرة وتوابعها. وشعر أراسبيز بعبء هذه المهمة التي ألقيت على كاهله فسأل كسرى:

- هل رأيت هذه المرأة التي كلفتني بحراستها؟


- كلا .. لم يقع نظري عليها بعد.


- لقد رأيتها عندما كنا نوزع الغنائم، ولم أستطع تمييزها لأول نظرة عندما دخلت الخباء .. فقد كانت ترتدي نفس الملابس التي ترتديها تابعاتها .. ولكن النظرة الثانية إليها علمتني أنها نسيج وحدها .. لقد وقفت عندما أمرتها بالوقوف .. فكانت قطعة أبدع الله صنعها .. كانت تبكي بكاءً مراً .. وحاولنا طمأنتها والتخفيف من لوعتها .. فقلنا لها إنها قد أصبحت ملكاً لكسرى العظيم .. سيد ملوك العالم قاطبة .. فما زادها إلا عويلاً ونحيباً .. حتى لقد شقت خمارها فبدا منه رأسها وتعرت رقبتها حتى الكتف .. فشع منها السحر حتى كاد يذهب بأبصارنا وعقولنا ..


ثم صمت لحظة وأردف:


- اذهب إليها .. لترى الفتنة وضعت في امرأة. اذهب وانظر .. فترى عيناك .. أكثر مما سمعت أذناك.


وهز كسرى رأسه، ثم أطرق وقال:

- يا صاحبي لن أذهب إليها قط .. لن ألقي بيدي إلى التهلكة .. سأفر من هذه الفاتنة .. وسأمعن في تجنبها كلما أمعنت في وصف جمالها .. أنت تعلم أنه ليس لدي وقت للهو والحب .. فلو كانت صاحبتك كما وصفتها، لأذهب جمالها مني العقل .. فارتميت في أحضانها .. وفقدت معاركي وكنت من الخاسرين.


فضحك أراسبيز ساخراً وقال:


- كسرى العظيم يقول هذا ؟! أتصدق يا سيدي أن مجرد النظر إلى الجمال مهما كان سحره يمكن أن يفتن الرجل القوي .. فيوقعه في شراكه ويجعله يتخبط كـفأرٍ في مصيدة؟ .. كلا يا سيدي .. كلا .. لو كان قولك صحيحاً، لكان الجمال كنار مستعرة، تحرق بشواظها كل من لمسها .. ولكنا رأينا كل من حول هذه المرأة قد اكتوى بنار حبها .. وجن من فرط هواها.


إن الحب يا سيدي لا يمكن أن يكره عليه المرء .. إنه أمر يفعله الإنسان بمحض إرادته .. وبمشيئته واختياره .. فهو ليس -كما تتصور- أغلالاً يكبل بها المرء، أو أسراً يقع فيه .. والإنسان حر في أن يحب أو لا يحب .. وليست المسألة مسألة جمال .. فقد يجذبني جمال لا يحرك فيك ساكناً .. وقد أرى جمالاً لا يكلفني حتى مشقة النظر إليه .. ثم تراه فيتركك صريعاً لا حراك بك.


وعلى أية حال .. فإنني أعتقد أن ذا الحجا .. يستطيع أن يسير في الطريق الذي يريد أن يسير فيه .. ولن تستطيع امرأة -مهما بلغت من السحر- أن تثنيه عن غايته.


وكان كسرى يسمع لصاحبه مطرقاً، فلما انتهى صاحبه رفع إليه رأسه سائلاً:


- إذا كان الأمر كما تقول يا أراسبيز، فلم لا يكف الناس عن الحب؟ .. لم لا يستطيع هؤلاء الذين تحطمت حياتهم على مذبح الحب؛ أن يفروا منه؟ وهؤلاء الذين ذهبت عروشهم في سبيل الحب؛ فذلوا بعد عز؛ لِمَ لَم يتمكنوا من الإفلات من شراكه؟ وأولئك الذين أدمت أقدامهم الأشواك الملقاة في طريق الحب فتعثروا فيها؛ لِمَ لَم يطرقوا طريقاً آخر؟


- هؤلاء هم ضعاف النفوس .. خفاف الأحلام .. ولعمري؛ لا أدري لِمَ نصفح عن أولئك الذين لا يستطيعون أن يكفوا عن الحب .. ونعاقب أولئك الذين لا يستطيعون أن يكفوا عن السرقة وهم في الجرم سواء ..

فإذا كان الأخير لا يبرر جرمه أن ما سرقه قد أغراه بالسرقة .. فلِمَ يبرر حب العاشق أن الجمال قد أغراه بالحب؟


إن الذين تسميهم بضحايا الحب .. هم أولئك الذين لا يصلحون في الحياة لشئ .. ولو لم يكونوا ضحايا حب؛ لكانوا ضحايا أي شئ آخر .. بل لكانوا ضحايا أنفسهم، وضحايا عجزهم وضعفهم. وكل ما في الأمر أنهم جعلوا الحب ستاراً يخفون خلفه نفوسهم الواهنة ..


ولم لا تأخذ مني مثلاً يا سيدي؟ وقد رأيت هذه المرأة التي ركبت في عينيها؛ بل في كل جزء من أجزاء جسمها .. قوساً وسهاماً .. فهي لا تفتأ تصيب الناظر إليها بالسهم تلو السهم .. حتى يسلم إليها .. أو يسقط صريعاً .. فما استطاعت أن تصيبني بخدش .. لا لشئ إللا لأني أعلم أن ليس لي أن أحبها لأنها ليست ملكاً لي .. بل ملكاً لك.

- قد تكون صادقاً .. ولكن تذكر أنك لم تر المرأة إلا مرة واحدة فقط .. لقد أبيتَ إلا أن تشبه الجمال بالنار التي تلهب كل من لمسها .. ولكني أؤكد لك أن النار أخف وطأة .. لأنك لن تلهبك إلا إذا وضعت يدك فيها .. أما الجمال، فصاحبته يمكن أن تصيبك وهي بمنأى عنك .. فتشعل فيك الفؤاد .. وتلهب القلب .. فلا تشعر إلا حين تصبح هشيماً تذروه الرياح .. وإذا بك يا صاحبي قد أصبحت دون أن تدري من ضحايا الحب ..

وافترقا .. وكل منهما ما زال عند رأيه .. وكان آخر ما قاله أراسبيز:

- إني لن أقع في شراك حب لا أرغب في الوقوع فيه.

من قصة " كسرى وصاحبه "
يوسف السباعي
TAFATEFO
" كان للرجل منا ثلاث نساء ، صاحبة للهو والتسلية ، وخليلة لقضاء
رغباته الطبيعية، وزوجة لتهيئ له بيتاً هادئاً محترماً وأبناء شرعيين"
Demosthenes
لم يبد عجز الرجال في شئ، منذ بدء الخليقة، كما بدا عجزه في تنظيم العلاقات بينه وبين المرأة. ولم يفشل في شئ قدر فشله في تحديد ما يجب أن يعطيه لها، وما يجب أن يأخذه منها.

وقد تكون أسعد فترة فترة قضاها الرجل في التاريخ هي تلك الفترة التي كان يعيش فيها على الفطرة، دون أن تحيده قيود، أو تقيده قوانين، سوى تلك التي وضعتها الطبيعة.


ولكنه - قاتله الله - بدأ في التطلع إلى الرقي، فأخذ في وضع القوانين، وخلق الحقوق والواجبات. وكان أول ما واجهه من مشاكل، هو ماذا يعطي نصفه الأضعف، وماذا يحرم عليه؟ وكانت النتيجة أن انتهى الأمر به إلى وضع نظام الزواج. ولكن هذا النظام لم يحل المشكلة، فقد كان الرجل فوق احتياجه إلى ربة بيت ترعى شؤونه وتربي صغاره، يحتاج إلى أخرى تعطيه اللذة والمتعة، وتنسيه متاعب البيت وقيوده. وقد يخيل للمرأة أنها قادرة على أداء العملين، ولكن الرجل يؤكد أن امرأة واحدة لن تستطيع أن تعطيه كل ما يطلب، فبدأ يبحث بعد الزوجة عن امرأة أخرى، للهو والمتعة، ولكن هذه الأخرى، لم يرضها أن تكون مجرد أدادة لهو، وبدأت تطالب هي الأخرى بحقها في الحياة (الزواج)، وكانت نتيجة ذلك أن نشأ نظام تعدد الزوجات. ولكن حتى هذا أيضاً لم يقنع الرجل، فقد رأى أن المرأة تفقد قيمتها كوسيلة للمتعة بمجرد أن تصير زوجة، ورأى من الحمق أن يحاول التخلص من قيود الزوجة بزوجة أخرى، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ وأدرك أخيراً أن شر ما يبتلى به الرجل هو عدة زوجات، وأن خير وسيلة للتمتع بالحياة، هو أن يقنع بزوجة واحدة، وبضع محظيات. فليس أحب إلى نفسه من اللذة المسروقة والمتعة المختلسة، وما كانت رغبة الرجل في المرأة لتقاس بمقدار جمالها، بل بمقدار ما يلقاه من مشقة في الحصول عليها. فإن وجدها سهلة في يده لا تعب في الوصول إليها ولا مشقة، ذهبت فتنتها وخبا بريقها، وهكذا الزوجة لا يكاد الرجل يحصل عليها، ويجدها طوع أمره، حتى يزهد فيها وينصرف عنها، ولا تكاد تثيره إلا بمقدار ما يثيره تمثال في ركن الدار حتى ولو كان لإلاهة الجمال.


هكذا خلق الرجل ! هو دائماً يريد امرأة أخرى، لا يهمه أن تكون أجمل من الأولى، بقدر ما يهمه أن يركب الصعب في الحصول عليها، وأن تكون محرمة عليه ممنوعة عنه.
من قصة " المرجومة الخالدة "
يوسف السباعي
TAFATEFO
وفي ميدان المحطة جماهير تجري في كل اتجاه. الغضب يشتعل في الوجوه واللعنات تنصب على الإنجليز. الجو بارد والسماء متوارية خلف سحاب متجهم والهواء ساكن لا حياة فيه. الدكاكين مغلقة كالحداد وعند الآفاق تصاعد دخان كثيف ..
ماذا في القاهرة ؟!
وتقدم في حذر، وأشار إلى رجل يقترب ثم سأله:
- ماذا في البلد؟
فأجابه في ذهول:
- القيامة قامت ..
فسأله في إلحاح :
- تعني مظاهرات احتجاج ؟!
فهتف وهو يأخذ في الجري :
- أعني النار والخراب ..
وواصل تقدمه الحذر البطئ وهو يتفحص ما حوله. وتساءل في دهش :
< أين البوليس؟ أين الجيش؟>. وفي شارع إبراهيم تجلت حقيقة اليوم بصورة أبشع. خلا الميدان للغاضبين. انفجر مكنون اللاوعي كالبركان. صراخ جنوني كالعواء. انقضاض على أي قائم على الجانبين. بترول يراق. حرائق تشتعل. أبواب تتحطم. بضائع تنتثر. تيارات تندفع كالأمواج المتلاطمة. الجنون نفسه بلا رقيب. ها هي القاهرة تثور؛ ولكنها تثور على نفسها. إنها تصب على ذاتها ما تود أن تصبها على عدوها. إنها تنتحر. وتساءل في فزع ماذا وراء ذلك كله ؟! واستفحل نشاط غريزته التي تتنبأ بالمخاوف. وأيقن أن مأساة حقيقية سيرفع عنها ستار الغد. ثمة خطر يتهدد صميم حياتنا. يتهددنا نحن لا الإنجليز.
....
.... لعلها النهاية. وستكون نهاية مميتة لم تسبق بمثيل لها من قبل.
ومضى يقترب من قلب المدينة في ذهول تام. صمم على أن يطلع على كل شئ. إنه مسئول، ومهما يكن من ثانوية مركزه نسبياً فهو مسئول، ويجب أن يرى كل شئ بعينه. الضوضاء فوق كل احتمال كأن كل ذرة في الأرض تصرخ. اللهيب ينطلق من كل موقع. إنه يرقص في النوافذ، يقعقع في الأسقف، يصفر في الجدران، يطير في الجو والدخان يتربع مكان السماء.
رائحة الحريق تقتحم الأنوف كعصارة جهنمية من الخشب والأقمشة وزيوت شتى. هتافات غامضة كأنما تنبثق من الدخان، غلمان يخربون كل شئ في نشوة وبلا مبالاة.
جدران تنفجر مفجرة رعداً. الغضب المكتوم، اليأس المضغوط، الضيق المتكتل، كل أولئك حطم القمقم وانطلق كزوبعة من الشياطين. وقال لنفسه إن أشياء كثيرة يجب أن تحرق ولكن ليست القاهرة. أنتم لا تدرون ماذا تفعلون. إن فرقة كاملة من الإنجليز لتعجز عن إحداث عُشر هذا الخراب، انتهت معركة القنال. خسرنا المعركة. قلبي المجرب بالمحن لا يكذب. الحكومة بلا جنود والنار تجري بلا عقبة. هل تلتهم النيران المدينة الكبرى؟. هل يمسي ثلاثة ملايين من البشر بلا مأوى؟. هل ينعق الخراب والمرض والفوضى ويرجع الجيش البريطاني ليعيد الأمن إلى نصابه؟. هل ينسى الناس في محنة الخراب الاستقلال والوطنية والآمال العريضة!. إن القلق يدب في جذور قلبه كالنمل وتسوَدّ الدنيا في عينيه اللتين زايلهما الطموح والمجد.
وعند الأركان في الشوارع الرئيسية لبد رجال يحرضون:
- احرق .. خرب .. يحيا الوطن ..
تفحصهم باهتمام وحنق. ود لو يستطيع أن يقنعهم. ولم يمكنه التيار المتضارب من الوقوف قبالتهم لحظة. إنهم وجوه غريبة لا هي من حزبه ولا من الأحزاب الأُخر. إنها وجوه غريبة تفوح منها رائحة الغدر، وخيل إليه أن في الجو رائحة عفنة أشد كآبة من الدخان، وزفر مع اليأس والذهول غضبا :
- احرق .. خرب .. يحيا الوطن ..
يا للأوغاد!. هل تذهب دماء القنال هدراً؟ وأرواح جنود البوليس وضباطهم؟. إن كل ما هو قيم وجميل يبدو أنه سيصير هباء. كيف السبيل إلى الوزارة ليقابل المسؤولين؟. ليس في الطرقات إلا حطام سيارات، ليس في الجو إلا حمرة قانية تحتدم تحت سواد. ماذا يقول للفداشي الغاضب لقلة السلاح إذا اطلع على هذا المشهد الغادر الدامي؟. ما عسى أن يقول لو سمع نداء المؤامرة؟
- احرق .. خرب .. يحيا الوطن ..
النار والخراب والدخان شعارات اليوم الفظيعة، ولكن الخيانة اللابدة في الأركان أفظع.
السمّان والخريف
نجيب محفوظ
TAFATEFO
أيّها الناس إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة، والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات.
هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله جعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب- فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه.
فإن الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقروا كباركم وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتنحن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها أفضل الساعات- ينظر الله فيها إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيها الناس- إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكوها باستغفاركم- وظهوركم ثقيلة بأوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أن الله أقسم بعزته أن لا يعذب المصلين والساجدين وأن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين.
أيها الناس، من فطر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه- فقيل يا رسول الله: ليس كلنا نقدر على ذلك فقال: اتقوا الله ولو بشربة من ماء.
أيها الناس، من حسَّن منكم في هذا الشهر خُلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفّف في هذا الشهر عما ما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه، ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أدى فيه فرضاً كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه الصلاة عليَّ ثقل الله ميزانه يوم تخفف الموازين، ومن تلى فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.
أيها الناس:- إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فاسألوا ربكم أن لا يغلقها عليكم وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلطها عليكم.